مواصلة الطاعات ومتابعة القربات ..بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة في الدارين وبعث فينا رسولا منا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تكون لمن اعتصم بها خير عصمة، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أرسله الله للعالمين رحمة وأنزل عليه الكتاب والحكمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد لقد إنقضي شهر الرحمات وشهر البركات شهر رمضان، وإن من علامات قبول الطاعة هو الطاعة بعدها، فعلينا مواصلة الطاعات ومتابعة القربات، ولا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياليه، ولا بالبر والجود آخر يوم فيه، وإذا كان رمضان قد إنقضى فإن الصيام والقيام وتلاوة القرآن والعبادة والطاعة لم تنقضي.
ومن كان يعبد رمضان فإنه ينقضي ويفوت ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان، ولقد حذرنا الله تعالى أن نكون مثل بلعام بن باعوراء، وهو عالم بني إسرائيل الذي أذاقة الله حلاوة الإيمان وآتاه أياته، ثم انقلب على عقبيه واشترى الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، وانسلخ من آيات الله تعالي كما تنسلخ الحية من جلدها، وحذرنا ربنا سبحانه وتعالي أن نكون مثل “ريطة بنت سعد” وهي امرأة مجنونة كانت بمكة، كانت تغزل طول يومها غزلا قويا محكما ثم آخر النهار تنقضه أنكاثا، أى تفسده بعد إحكامه، وحذر النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم من ترك الطاعة بعد التعود عليها، فقال لعبد الله بن عمرو ” ياعبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل” وسئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن عمله فقالت” كان عمله ديمة ” رواه البخارى ومسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم “إن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل” رواه مسلم، وها هو شهر رمضان قد مضى، ومضى بأيامه الفاضلة، ولياليه العامرة، بعد أن كان ملء أسماعنا وأبصارنا، وحديث منابرنا وزينة منائرنا وسمر مجالسنا وحياة مساجدنا، فقد مضى وخلف الناس بعده بين شقي وسعيد وفائز وخاسر، ولقد فاز في رمضان من فاز بالرحمة والغفران، والعتق من النيران، وخسر من خسر بسبب الغفلة والبطلان، والذنوب والعصيان، فليت شعرى من المقبول منا فنهنيه، ومن المطرود فنعزيه؟ وإن امرءا ينجو من النار بعد ما تزود من أعمالها لسعيد، ونحن ما زلنا نعيش في آثار نفحات رمضان يجب علينا أن نقف لنتساءل ماذا بعد أن إنقضى شهر رمضان؟ وما هو حالنا بعد أيام قليلة من رمضان؟ وماذا بعد شهر الرحمة والغفران؟
وماذا بعد شهر التوبة والرضوان؟ وماذا بعد أن اكتحلت عيوننا بدموع المحبة والخوف والرجاء، وعزت جباهنا بالخضوع والذلة لرب الأرض والسماء؟ بعد أن عاينا القرب والإقبال وشاهدناه، القرب من الله لعباده، والقرب من العباد إلى الله، وماذا بعد شهر الجد والإجتهاد والتشمير، بعد أن كان القرآن حياتنا والصلاة والوقوف بين يدي الله لذتنا وذكر الله غذاءنا، بعد أن عايشنا كل ذلك، كان ولابد أن يأتي هذا السؤال، وهو ماذا يجب علينا بعد رمضان، بل وبعد كل موسم من مواسم الطاعة؟ والإجابة نزل بها الوحي منذ مئات السنين، وأجاب النبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم على السائلين الطالبين العلاج الناجع والدواء النافع، فقال ” قل آمنت بالله ثم استقم” فإذا كان الله قد حباك بشجرة الإيمان، فيلزمك أيها الموحد معها وتحت ظلها أن تستقيم وأن تعتصم بالسير على الطريق.
وأن لا تحيد عنه الإستقامة فيقول الله تعالى “إن الذين قالوا ربنا الله ثم إستقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون، نزلا من غفور رحيم”






