«قصر عبد المجيد باشا».. حكاية رسالة من الماضي تكشف عظمة التراث

اعداد/ رانيا البدرى

حين تمرّ أمامه، قد يخدعك الصمت المحيط به، لكنه في الحقيقة يصرخ بجمالٍ مفقود، وفخامةٍ تاهت بين ركام الحداثة. قصر “عبد المجيد باشا” ليس مجرد مبنى، بل وثيقة حيّة تحكي عن زمن كانت فيه العمارة حوارًا بين الفن والدقة والروح. وربما لا توجد صورة تختزل كل هذا الإرث أكثر من “سُلّم القصر”، ذلك الدرج الذي صمد 111 عامًا بلا خدش، متحديًا الزمن والإهمال، وكاشفًا عن مهارة نادرة في الحِرَف والبناء، نفتقدها اليوم في معظم ما يُشيَّد حولنا.

عبد المجيد باشا سيف، أحد الشخصيات البارزة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ينتمي إلى النخبة الحاكمة التي كانت تجمع بين السلطة والذوق الرفيع في وقت واحد. ولم يكن قصره انعكاسًا للثراء فحسب، بل رمزًا للذوق الفني والحضاري الذي كان يميز هذه الطبقة.

يقع قصر عبد المجيد باشا سيف النصر في وسط مدينة ملوي بمحافظة المنيا، ويطل بواجهته الرئيسية على شارع سيف النصر، وقد أنشأه عبد المجيد باشا سيف النصر، أحد كبار أثرياء ملوي في أوائل القرن العشرين. يعود تاريخ تشييد القصر إلى عام 1333 هـ / 1914 م، كما ورد في النص التأسيسي الذي لا يزال محفورًا أعلى مدخل الطابق الأرضي (البدروم).

IMG ٢٠٢٥٠٧٣٠ ١٠١٩٢٣

وقد شُيّد القصر على الطراز الأوروبي الكلاسيكي، باستخدام الطوب الأحمر والحمرة والجير في الجدران، بينما استخدمت الخرسانة المسلحة في الأسقف، وهو أمر يُعد متقدمًا تقنيًا بالنسبة لتلك الفترة.

تُغطّي واجهات القصر زخارف الباروك والروكوك الأوروبية، مما يجعله نموذجًا نادرًا يمزج بين الرقي الفني الأوروبي والنَفَس المحلي. يتميّز القصر بوجود أربع واجهات متناسقة، ويتكوّن من طابقين وبدروم، ما يعكس الفخامة المعمارية والتوزيع المدروس للمساحات. يُعد سلّم قصر عبد المجيد باشا قطعة فنية نادرة، صُمم وصُنع يدويًا بالكامل باستخدام الخشب الطبيعي والزخارف النحاسية والحديد المشغول، ويتميّز بما يلي:

تفاصيل زخرفية راقية تعكس تلاحم الفن الشرقي مع التأثيرات الأوروبية في ذلك العصر.

صلابة وجودة عالية، إذ بقي سليمًا حتى بعد 111 عامًا، دون أن يتأثر بعوامل الزمن أو الإهمال.

ذلك السلّم ليس فقط وسيلة انتقال بين الطوابق، بل قطعة فنية قائمة بذاتها، توثق مستوى المهارة الذي بلغته الحِرَف المعمارية في مصر خلال الحقبة الملكية.

القصر بأكمله يُعد نموذجًا متكاملًا لفن العمارة التاريخية في مصر. ويتميّز بما يلي:

– الواجهة الكلاسيكية ذات الأعمدة المزخرفة والشرفات المقوسة.

– الزخارف الجدارية المصنوعة يدويًا بتقنية “الفريسكو”.

– الأرضيات الرخامية المرقّعة، وأعمال الأرابيسك في الأسقف والنوافذ.

– استخدام النور الطبيعي من خلال النوافذ الكبيرة والسقوف الزجاجية.

– المواد المستخدمة كانت كلها من خامات طبيعية فاخرة، من الرخام إلى الأخشاب المستوردة والنحاس المحفور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى