الراحلون إلى السماء قصة قصيرة بقلم: تهاني عدس

الراحلون إلى السماء
قصة قصيرة
بقلم: تهاني عدس
لو كان الموت فجيعة، ففقدان عزيز يجعله أعظم فجيعة وأسوء حدث يمكن أن يُختبر به الإنسان في حياته.
ربما تلهينا مشاغل الدنيا عن أهلنا أحيانًا، لكنهم دائمًا يسكنون القلب والوجدان. ومن كُتب عليه الإغتراب، يعلم تمامًا قيمة الأهل والأصدقاء والمعنى الحقيقي للحرمان منهم.
عند فقدان عزيز، تُولد ندبة كبيرة بالروح لا تشفى ولاتزول مع مرور الأيام. ترافقها حالة من الحزن والألم لا تنتهي صلاحيتها.
فالرحلة مع الحزن طويلة الأمد، تبدأ بحالة من الإنكار الشديد مرورا بشعور بالغضب، ربما يتحول إلى حالة اكتئاب، ثم التعايش معه بتقبل قدر الله وقضائه والرضا به.
لقد كانت هجرتى من مصر منذ خمسة وعشرون عامًا. ودعت أهلي وأصدقائي وتركتهم جميعًا بقريتنا الصغيرة.
خلال كل صيف من كل عام، اصطحب أبنائي لزيارتهم والإطمئنان عليهم.
وفي يوم من أيّام أغسطس الحارقة من عام ٢٠١٥، وخلال زيارتي لمصر، خشيت على أولادي من الحرِ الشديد فاصطحبتهم إلى الطابقِ العُلوى لوقايتهم من حرارة الشمس وقت الظهيرة.
طلبت منهم أن يناموا بعض الوقت، ولكن كالعادة عادوا إلى الشارع للعب، وغلبني أنا النوم
حينها سمعت صوتًا خافتًا يقول؛ سَيُدفن الْيَوْمَ!!
لا أعلم حتى الآن من كان مصدره، ولا اعلم
إذا ماكان حلمًا أم حقيقة. بعدها بقليل، عاد أبنائي اليّ وهم يصرخون.
كل مافهمته منهم أن اخي سقط مغشيًا عليه وأُخذَ إلى المستشفى بالمدينة المجاورة.
توجهت مباشرةً إلى المستشفى، فلم أجده. غادرت بعد أن أكد لي الطبيب انه يعاني من أزمة صدرية حادة.
عُدتْ مرةً اخرى الى منزل أخي، قابلني طبيب العائلة على الباب، ثم نظر لي بشفقة قائلاً: البقاء لله!
لم أنشغل كثيرًا بالصراخ والنساء المتشحات بالسواد، فكنت على يقينٍ تامٍ وبدون أدنى شك أن أخي مازال على قيد الحياة. لم ابالْ بما قاله الطبيب بانه قد مات!
كنت ابكي فقط لأنني كنت أفكر في ماذا سأفعل إن كان الطبيب محقًا!!
رأيت اخواتي وأخي الأصغر يبكون بشدة، فى هذه اللحظة أدركت انهم يحزنون بهدوء بعيدًا عن لطم الخدود وصرخات الهلع التى قد تصيب البعض فى مثل هذه الظروف. انهم يملكون قلوبًا طيبة ونفوسًا راقية حتى فى أصعب المحن.
قضيت الأيام الأولى وأنا في حالة شكٍ فى كل مايحدث. كنت مقتنعة تمامًا أن أخي فى غيبوبة سيفيق منها.
بعد أيامٍ قليلة، اضطررت إلى أن اعود بأبنائي الى أمريكا.
فى أول ليلة بعد وصولي، زارني اخي، وأكد لي أنه مازال حيٌّ يرزقُ!
كنت انتظره كل ليلةٍ لأتملى في وجهه البشوش واستمع إلى اخباره السعيدة.
في مرة من المرات، أتى ليخبرني أنه ذاهبًا لأداء فريضة الحجِ.
ومرة أخرى، جاء وهو يحمل رضيعًا يريني إياه، وأخبرني أن الله رزقه إياه.
وفى مره أهداني بروازًا ذهبيًا ضخمًا، يبدو وكأنه جائزة أو وسام.
إلى أن جاء في مرة، وهو يحمل بيده حقيبة سفر، ولم أره منذ ذلك الحين.
أدركت في تلك اللحظة، أنه لم يكتف برحيله عني فى الحقيقة، فقد يرحل أيضًا عن أحلامي!
تهانى عدس






