نادية هارون تكتب: حين تصبح أفعال المقاومة هدية للعدو: كيف تخدم حماس إسرائيل؟

مصر تاريخيًا هي الرئة التي يتنفس منها قطاع غزة، وقدمت له الكثير من الدعم سواء سياسيًا أو إنسانيًا أو حتى عبر احتضان المفاوضات لحماية الفلسطينيين من ويلات الحرب. ومع ذلك، نجد أن حركة حماس في كثير من المواقف تُظهر جحودًا وتتعامل مع مصر بمنطق المزايدة أو الضغط، بل أحيانًا تعمل وفق أجندات إقليمية (تركيا – قطر – إيران) تتعارض مع المصالح المصرية.
على مدى سنوات، رفعت حركة حماس شعار “المقاومة”، وتحدثت باسم الشعب الفلسطيني، وزعمت الدفاع عن قضيته. لكن المتأمل في نتائج أفعالها على الأرض يكتشف أن كل ما فعلته يصب – دون استثناء – في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي.
أولًا: الانقسام الفلسطيني كان هدية استراتيجية لإسرائيل، في عام 2007، قامت حماس بالاستيلاء على قطاع غزة بالقوة، وفتحت بذلك الباب أمام أكبر انقسام في تاريخ القضية الفلسطينية، انقسم الفلسطينيون سياسيًا وجغرافيًا، وانتهت فكرة “التمثيل الموحد”، النتيجة: إسرائيل وجدت ضالتها، لا يوجد طرف فلسطيني موحّد يمكن التفاوض معه، فعلّقت عملية السلام، وواصلت الاستيطان.
ثانيًا: كل تصعيد عسكري يُدمر غزة ويقوّي إسرائيل، من حرب 2008 إلى 2021، ثم العملية الأضخم في 2023، تبدأ حماس بإطلاق صواريخ، فترد إسرائيل بحرب شاملة، النتيجة: تدمير شبه كامل للبنية التحتية في غزة، آلاف الشهداء والجرحى من المدنيين، تهجير جماعي للفلسطينيين، تعاطف عالمي مع إسرائيل، وتراجع تأييد القضية الفلسطينية، وكل حرب تنتهي بإسرائيل أقوى، والفلسطينيين أضعف، وحماس أكثر تشبثًا بالسلطة.
ثالثًا: تبرير الحصار والعقوبات، فبوجود حماس في الحكم، بات لدى إسرائيل مبرر دائم: “غزة تحت سيطرة منظمة إرهابية”، وهكذا، الحصار مستمر منذ أكثر من 15 عامًا، دخول المساعدات والمواد يتم عبر ابتزاز سياسي، حماس جعلت من وجودها مبررًا مستدامًا لمعاقبة الشعب الفلسطيني.
رابعًا: الاستفادة من الانقسام لصالح صفقة القرن، حيث سهّل الانقسام الفلسطيني على إسرائيل وداعميها تمرير مشاريع مثل “صفقة القرن”، وتهويد القدس، وتطبيع علاقاتها مع عدة دول عربية، دون أن تجد معارضة فلسطينية موحدة ذات وزن.
خامسًا: الخطاب الإسلامي المتشدد يخدم الرواية الإسرائيلية، فلطالما سعت إسرائيل لتصوير الصراع على أنه “ديني”، لا “وطني”، ووجود حماس بخطابها العقائدي وارتباطها بجماعات كالإخوان، سهّل على إسرائيل أن تُقنع العالم بأنها تواجه “إرهابًا إسلاميًا”.
سادسًا: ثروات القيادات مقابل جوع السكان، فبينما ينهار الاقتصاد في غزة، وتنتشر البطالة والمجاعة، تعيش قيادات حماس في الخارج حياة فارهة، ثرواتهم تتزايد، وشعبهم يُدفن تحت الأنقاض، هذا التناقض يخدم إسرائيل في حملاتها الدعائية لتشويه صورة الفلسطينيين، ويُضعف التعاطف العالمي.
سابعًا: عملية 7 أكتوبر، كارثة، ما قامت به حماس في 7 أكتوبر 2023، خدم إسرائيل بشكل لم تحلم به، دمّرت غزة بالكامل بذريعة الرد، أعادت ترتيب أوراقها السياسية الداخلية، كسبت تأييدًا عالميًا باعتبارها “ضحية لهجوم وحشي”، بدأت إسرائيل فعليًا في تنفيذ مشروع تفريغ غزة من سكانها، العملية كانت ذريعة مثالية لإسرائيل، وكارثة إنسانية للفلسطينيين.
هناك فرضية سياسية، ربما خيالي واسع، إلّا أنها تلح في رأسي، وهي أن إسرائيل أوعزت لقطر: وهي الدولة الوحيدة التي تجمع علاقات مع كل الأطراف، فهي تموّل حماس بموافقة إسرائيل وتحت أعينها، وإسرائيل لا تعارض لأنها ترى فيه وسيلة “لضبط” سلوك الحركة، وتمرير تهدئة طويلة الأمد، إذًا من غير المستبعد أن تكون هناك رسائل استخباراتية إسرائيلية غير مباشرة مرّت عبر قطر لتشجيع تصعيد ما، تحت سقف معيّن.
ثم، قطر تُوعز لإيران: فقطر وإيران بينهما علاقات جيدة، خاصة بعد الحصار الخليجي على الدوحة، طهران تستثمر استراتيجيًا في كل ما يزعج أمريكا وإسرائيل، وقطر قدّمت أكثر من مرة دعمًا لحركات شيعية وسنية “ضد خصوم مشتركين”، كالسعودية ومصر.
إيران تحرض هنية: إيران تموّل وتسلّح حماس منذ سنوات، خاصة جناحها العسكري “كتائب القسام”، والمرشد الإيراني دعا دائمًا لما يسميه “تحريك الجبهة الفلسطينية”، وقد زار هنية طهران عدة مرات وأعلن أن إيران “الداعم الأكبر للمقاومة”، إذًا، نعم، منطق التحريض والتشجيع موجود.
لماذا يُفرج عن قائد مخابراتي بحجم السنوار بينما قادة أقل لم يُفرج عنهم؟، البعض يتحدث عن خطوط اتصال غير مباشرة قد تكون قائمة بين جهاز “الشاباك” وبعض عناصر حماس (بقصد الاستدراج أو المراقبة أو حتى التوظيف).
هل كانت هذه العملية قرارًا نابعًا من حماس وحدها؟ أم أن أطرافًا إقليمية ودولية ساهمت في تحفيزها، سواء عن عمد أو بهدف التوريط؟ هل كان السنوار على علم بتلك التحركات؟ أم تم استدراجه؟ هل كانت 7 أكتوبر “مصيدة” خدمَت إسرائيلأكثر مما أضرّتها؟.
في النهاية أقول: أن عملية 7 أكتوبر، دفع الفلسطينيون الثمن، وإسرائيل حصدت المكاسب، وفي عالم السياسة، لا قيمة للنوايا، بل، للنتائج.



