تجارة الأعضاء في مصر: بين الحاجة والفوضى بقلم عبير الزلفى

تجارة الأعضاء في مصر: بين الحاجة والفوضى
بقلم عبير الزلفى
تُعد تجارة الأعضاء البشرية واحدة من أخطر الجرائم التي تهدد المجتمعات، خصوصًا عندما تزدهر في بيئة تعاني من الفقر، وضعف الرقابة، والفساد الإداري. وفي مصر، ورغم وجود قوانين تُجرّم بيع وشراء الأعضاء، فإن الظاهرة لا تزال قائمة، تنمو في الظل، وتتغذى على معاناة الفقراء وضعف الجهاز الرقابي.
خلفية قانونية وإنسانية
في عام 2010، صدر القانون رقم 5 لتنظيم نقل وزراعة الأعضاء البشرية في مصر، والذي يجرّم تمامًا بيع الأعضاء البشرية، ويشترط أن يكون التبرع من حيٍّ إلى حيٍّ داخل نطاق القرابة حتى الدرجة الرابعة، أو من متوفى حديثًا بموافقة موثقة. ورغم ذلك، نشطت شبكات غير قانونية تستغل الثغرات، مستفيدة من حاجات الفقراء وغياب الرقابة الكافية.
من هم الضحايا؟
الضحايا في الغالب من الفقراء، الذين تُدفع لهم مبالغ زهيدة (تتراوح ما بين 40 إلى 100 ألف جنيه مصري في بعض الحالات) مقابل كلية أو جزء من كبد، بينما تُباع هذه الأعضاء في السوق السوداء بأرقام خيالية قد تصل إلى نصف مليون جنيه أو أكثر.
غالبًا ما يُوقَّعون على أوراق “تبرع” مزيفة، تُرتب بمساعدة موظفين فاسدين أو مستشفيات خاصة تغضّ الطرف عن الإجراءات القانونية، وقد تنتهي هذه العمليات بمضاعفات صحية خطيرة أو حتى الوفاة.
كيف تعمل الشبكات؟
تضم شبكات تجارة الأعضاء سماسرة، أطباء، مراكز تحليل، ومستشفيات خاصة. يُستدرَج الضحية عن طريق الإعلانات على الإنترنت أو عبر وسطاء في الأحياء الفقيرة، ثم يُنقَل إلى مركز غير مرخص لإجراء التحاليل، ومن ثم تُجهَّز له عملية الزراعة في مستشفى خاص مقابل عمولات ضخمة.
جهود الدولة… ولكن!
أعلنت الحكومة المصرية أكثر من مرة عن تفكيك شبكات لبيع الأعضاء، وصدرت أحكام قضائية ضد بعض المتورطين. كما أعلنت وزارة الصحة عن تشديد الرقابة على المستشفيات ومراكز التحاليل. لكن رغم ذلك، يستمر تداول الأعضاء بشكل غير مشروع، في ظل الطلب المتزايد وضعف التبرع الشرعي، خصوصًا من المتوفين دماغيًا
الأسباب والدوافع
الفقر: يمثل العامل الأساسي، حيث يُجبر كثيرون على بيع جزء من أجسادهم لتسديد ديون أو إعالة أسرهم.
ضعف التبرع القانوني: بسبب غياب ثقافة التبرع بعد الوفاة، والتي يمكن أن تحد من الأزمة.
الطلب المرتفع: في ظل أمراض الكلى والكبد المتزايدة، يبحث المرضى عن حلول سريعة خارج القنوات القانونية.
الفساد الإداري: يسهّل تمرير العمليات والملفات المزيفة.
الدوله بين الردع والوعي
تجارة الأعضاء في مصر جرح مفتوح في جسد المجتمع، لا يُعالَج فقط بالقوانين، بل يحتاج إلى حملة توعية موسّعة، وتحسين أوضاع الفقراء، وتشجيع التبرع الطوعي، خصوصًا من حالات الوفاة الدماغية، وتعزيز الرقابة على المستشفيات الخاصة. فالجسد الإنساني ليس سلعة، والكرامة الإنسانية لا تُباع.



