محكمة الضمير .. بقلم/ الزهرة العناق

محكمة الضمير هي الساحة التي لا يرفع فيها الستار ولا يطفأ فيها الضوء، إنها محكمة قائمة في صميم الإنسان، لا يشهدها جمهور ولا يدون فيها محضر، إنها أعدل المحاكم وأصدقها. هناك حيث يجلس الضمير على عرش من نور، يزن الأعمال بميزان لا يختل، ويستدعي النوايا من مخابئها، فيظهر الصادق منها كالجوهرة، ويكشف الكاذب منها كالعتمة في قاع رطب.
إنها المحكمة التي لا تؤجل قضاياها و لا تستأنف، ولا تعرف الرشوة ولا المجاملة، حيث يكون الإنسان فيها خصما و حكما، شاهدا و متهما، ولا مهرب له من مواجهة ذاته. قد يدينك الضمير على كلمة لم يسمعها أحد، أو على وعد دفنته نسيانا أو عمدا، وقد يبرئك من ظلم الناس إذا كنت نقي السريرة صادق العهد.
في محكمة الضمير، لا تكتب الأحكام بحبر على ورق، بل تحفر على جدار القلب و تظل آثارها ما دام الجسد يتنفس. قد يهبك الضمير سلاما داخليا لا يقدر بثمن، فتنام قرير العين ولو جحدك الخلق جميعا، وقد يثقلك بحمل من القلق و وخز لا يزول، ولو حملك الناس على الأعناق.
إنها المرآة التي لا تقهر، و الجرس الذي لا يصمت، و البوصلة التي لا تنحرف. هي النور الخفي الذي يرافقك في عتمتك، والسيف الصارم الذي يقطع عنك أعذارك. ومن نجح في امتحانها عاش مطمئنا، ومن سقط فيها عاش سجين نفسه وإن بدا حرا بين الناس.
فلتخش محكمة الضمير قبل أن تخشى محاكم الدنيا، فهي لا تعقد في ساحات القضاء، بل في صميم الروح، وهي لا تصدر أحكامها بعد المرافعات، بل في لحظة صدق أو خيانة. هناك فقط يتجلى الإنسان عاريًا أمام ذاته، لا يملك إلا أن يكون شاهدًا على براءته أو على هلاكه.






