نادية هارون تكتب: مردخاي .. الخِنْجَر المسموم في خَاصِرَة مصر

منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007 بدا أن ما جرى لم يكن صراعًا داخليًا عابرًا، بل لحظة فاصلة رسمت ملامح مرحلة جديدة من التفتت الفلسطيني والانكشاف العربي، وكما وصفها اللواء محمد إبراهيم الدويري، وكيل جهاز المخابرات العامة المصرية السابق في حواره على القاهرة الاخبارية، بأنها “النكبة الثالثة”، لأنها لم تقتصر على ضرب وحدة الصف الفلسطيني، بل فتحت الباب أمام إسرائيل لتكريس الانقسام واستثماره حتى هذه اللحظة.

منذ زمن قدم الأمير عبد الرحمن بن مساعد في قصيدته مردخاي بيانًا صريحًا لعقيدة الصهيونية:
قاتلهم، خذ أرضهم، اهدم منازل بعضهم، وشردهم
غير معالم أرضهم، وطمس ملامحهم، فرقهم وتصير سيدهم
… وبعد ما يستنزفوا قوة بعض… خذ ما بقى منهم، وفاوضهم.
هذه ليست مجرد أبيات شعر، بل خطة ممنهجة نُفذت بالحرف، فقام الإحتلال بشق الصف الفلسطيني، إشعال الصراعات الداخلية، تحويل غزة إلى سجن محاصر، وتغذية أوهام القوة لدى حماس التي صارت ورقة بيد تل أبيب أكثر مما هي خصم لها.

لقد بذلت مصر عبر سبع محطات متتالية جهدًا استثنائيًا لإنهاء الانقسام، لكن الحركة أفشلت كل محاولة، مفضلة البقاء في سلطة منقوصة في غزة على حساب القضية الكبرى _ وهذا يؤكد أن عقيدة الإخوان هي السيطرة والوصول للحكم ولو كان حكم شارع وليس دولة أو قطاع_، بهذا السلوك، قدمت حماس لإسرائيل ما لم تكن تحلم به، فقدمت غطاءً لانقسام مزمن يجهض أي أفق لدولة فلسطينية ويحول الصراع إلى نزيف داخلي بلا نهاية.

إسرائيل استثمرت هذا الانقسام حتى النهاية، واليوم تُعلن غزة “منطقة قتال”، وتواصل تهجير سكانها وقصفهم بلا هوادة، ومع ذلك، لم يعد الاستهداف محصورًا في الفلسطينيين وحدهم، فالمخطط الأخطر يتمثل في محاولة جرّ مصر إلى تحمّل عبء القضية كاملة، إما عبر فرض وصاية غير مباشرة على القطاع، أو عبر تحويل حدودها الشرقية إلى بؤرة استنزاف دائم، إنها محاولة واضحة لإضعاف القاهرة، إنهاكها، وشغلها عن أولوياتها الداخلية والإقليمية.

وهنا تتجلى حقيقة مؤلمة: المستهدف ليس إسقاط غزة وحدها، بل إسقاط مصر عبر تحميلها وزر الكارثة، وجعلها المتهم دائمًا والملاذ في الوقت ذاته، هذه هي المعادلة التي تحلم بها تل أبيب: تفريغ الأرض من الفلسطينيين، وتمزيق نسيجهم الوطني، ثم ترك مصر في مواجهة أعباء إنسانية وأمنية لا تنتهي، والأخطر أن تكون غزة قاعدة عسكرية إسرائيلية أمريكية على حدود مصر الشرقيه وعلى قناة السويس، وحول هذا سيكون لنا وقفة اخرى فيما بعد.

وفي خضم هذه الكارثة، جاء وفد من مجلس الشيوخ الأمريكي يتفقد معبر رفح، أي سذاجة هذه؟ هل يجهل أعضاء الوفد أن من يقصف المساعدات ويدمر القوافل هو الجيش الإسرائيلي؟ ألا تملك واشنطن أجهزة مخابرات تقدم لها تقارير دقيقة عما يجري على الأرض، أم أن تقاريرها مثل خطابها، زائفة ومضللة؟ وإذا كانوا صادقين في إنسانيتهم، فهل سيجرؤون على اتخاذ موقف ضد إسرائيل في مجلس الشيوخ، أم أن زيارتهم لن تتعدى كونها عرضًا مسرحيًا لتبييض صورة أمريكية ملطخة بالتواطؤ والسلاح المرسل يوميًا إلى تل أبيب؟ ثم لماذا اختاروا الدخول من الجانب المصري وحده؟ لماذا لا يذهبون إلى الجانب الآخر من المعبر عبر حليفتهم إسرائيل ليروا بأعينهم من الذي يقتل ويغلق ويقصف؟ الجواب معروف لأن الحقيقة هناك محرجة، ولأن المشهد كله مُصمم لاتهام مصر وتبرئة إسرائيل.

الوضع الإنساني في غزة بلغ حدّ المجاعة والانهيار الكامل، والانقسام الفلسطيني لم يعد سياسيًا فقط، بل صار عبئًا إنسانيًا وأمنيًا إقليميًا، وعلى حماس أن تعي أن زمن “التحكم المنفرد في غزة” انتهى، وأن مصر لن تغطي استمرار الانقسام، كما على السلطة، أن تفهم جيدا أن التشرذم يفتح الباب أمام إسرائيل لتفريغ غزة سياسيًا، وبالتالي لا بد من تجاوز الحسابات الحزبية، وعلى المجتمع الدولي أن يقوم بمسؤولياته ليس فقط في فرض  “تهدئة مؤقتة”، بل في معالجة الانقسام الفلسطيني كشرط أساسي لأي استقرار.
في النهاية أقول: إن مستقبل غزة اليوم يتوقف على كسر معادلة 2007  إما إنهاء الانقسام فعليًا، أو استمرار دورة الحروب والدمار، مع أثمان إنسانية وإقليمية متصاعدة، ستجعل المنطقة دائما ملتهبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى