مراقبة الله تعالي في السر والعلن .. بقلم الكاتب / محمـــد الدكـــروري

 

الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، ودبر عباده على ما تقتضيه حكمته وكان بهم لطيفا خبيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وكان على كل شيء قديرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة وبشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد لقد أمرنا الله عز وجل بالتقوي ومراقبة الله تعالي في السر والعلن، وقيل أنه أراد أحد الأساتذة الكرام أن معنى المراقبة والإخلاص والتقوى، فدفع لكل تلميذ من تلاميذه دجاجة أو طائر وهو يقول فليذهب كل تلميذ وليذبح هذا الطائر في مكان لا يراه فيه أحد، فذهب كل تلميذ بطائره في مكان يغيب فيه عن أعين الناس حتى يذبح طائره ويعود به إلى أستاذه، ونظر الأستاذ فوجد تلميذا نجيبا. 

جاء بطائره ولم يذبحه فقال له، لماذا لم تذبح طائرك؟ فقال يا أستاذي لقد طلبت منا أن نبحث عن مكان لا يرانا فيه أحد، وما من مكان ذهبت إليه إلا ورأيت أن الله يراني، فأين أذبحه؟ وقيل أنه كان بمدينة مرو، رجل اسمه نوح بن مريم، وكان رئيس مرو وقاضيها، وكان له نعمة كبيرة وحال موفورة، وكانت له ابنة ذات حسن وجمال وبهاء وكمال، قد خطبها جماعة من الأكابر والرؤساء وذوي النعمة والثروة فلم ينعم بها لأحد منهم، وتحير في أمرها، ولم يدري لأيهم يزوجها؟ وقال إن زوجتها لفلان أسخطت فلانا وكان له غلام هندي تقي اسمه مبارك، وكان له بستان عامر الأشجار والفاكهة والثمار، فقال للغلام أريد أن تمضي وتحفظ البستان، ثم أراد أن يختبره فقال له يا مبارك ناولني عنقود عنب فناوله عنقودا من العنب فوجده حامضا، فقال له سيده أعطني غير هذا. 

فناوله عنقودا حامضا فقال له سيده ما السبب في أنك لا تناولني من هذا الكثير غير الحامض؟ فقال لأني لا أعلم أحامض هو أم حلو، فقال له سيده سبحان الله لك في هذا البستان شهر كامل ما تعرف الحامض من الحلو؟ فقال وحقك أيها السيد إنني ما ذقته، ولم أعلم أحامض أم حلو فقال له لم لا تأكل منه؟ فقال لأنك أمرتني بحفظه، ولم تأمرني بأكله فما كنت أخونك، فعجب القاضي منه، وقال له حفظ الله عليك أمانتك، وعلم القاضي أن الغلام غزير العقل، فقال له أيها الغلام قد وقع لي رغبة فيك، وينبغي أن تفعل ما آمرك به، فقال الغلام أنا مطيع لله ولك فقال القاضي‏‏ اعلم أن لي بنتا جميلة، وقد خطبها كثير من الرؤساء والمتقدمين ولا أعلم لمن أزوجها فأشر عليّ بما ترى، فقال الغلام‏ إن الكفار في زمن الجاهلية كانوا يريدون الأصل والنسب والبيت والحسب، واليهود والنصارى. 

يطلبون الحسن والجمال، وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الناس يطلبون الدين والتقى‏، أما في زماننا هذا فالناس يطلبون المال فإختر من هذه الأربعة ما تريد، فقال القاضي قد اخترت الدين والأمانة، وجربت منك العفة والصيانة‏، فقال الغلام أيها السيد أنا عبد رقيق، هندي أسود، ابتعتني بمالك كيف تزوجني بابنتك وترضاني؟ فقال له القاضي قم بنا إلى البيت لندبر هذا الأمر، فلما صارا إلى المنزل، قال القاضي لزوجته اعلمي أن هذا الغلام الهندي ديّن تقي وقد رغبت في صلاحه، وأريد أن أزوجه ابنتي فما تقولين؟ فقالت الأمر إليك، ولكن أمضي إلى الصبية وأخبرها، وأُعيد عليك جوابها فجاءت المرأة إلى الصبية وأدت إليها رسالة أبيها فقالت مهما أمرتماني به فعلته، ولا أخرج من تحت حكمكما، ولا أعاندكما بالمخالفة، بل أبركما. 

فزوج القاضي ابنته بالمبارك، وأعطاهما مالا عظيما فأولدها المبارك ولدا، وسماه عبد الله، وهو معروف في جميع العالم فهو عبد الله بن المبارك صاحب العلم والزهد ورواية الأحاديث فما دامت الدنيا يحدّث عنه يروي، فأسأل الله بأسمائه الحسنى أن يجعلني وإياكم من الذين طابت أقوالهم وأعمالهم ونفوسهم وأسأل الله أن يجعلنا وذرياتنا من الطيبين المطيبين، فاللهم أدخلنا دار الطيبين يا رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى