الشرعية المفقودة: 21% من الأصوات تحكم العراق؟

بقلم/عدنان صگر الخليفه
يُعدّ مبدأ سيادة الشعب، باعتباره المصدر الأوحد للسلطات، ركيزةً أساسية في المنظومة الديمقراطية. بيد أن المشهد السياسي في العراق يكشف عن تناقض صارخ بين هذه المبادئ الدستورية والواقع الميداني، حيث باتت الانتخابات مجرد أداة لتكريس حالة من الشرعية المنقوصة. إن الأزمة التي تعيشها البلاد تتجسد في فجوة تمثيلية غير مسبوقة، حيث تشير تقارير وتحليلات موثوقة لمسؤولين ومراقبين دوليين ومحليين إلى أن نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة لم تتجاوز 21%. هذا الرقم ليس مجرد مؤشر إحصائي عابر، بل هو إعلان عن أزمة ثقة عميقة وعزوف جماهيري عن العملية السياسية برمتها.
يُعزى هذا الواقع إلى إصرار الطبقة السياسية الحاكمة على التمسك بقوانين وأنظمة تضمن لها البقاء في سدة الحكم. فذريعة “الحفاظ على المكتسبات” باتت تُستخدم كغطاء لرفض أي إصلاحات جذرية من شأنها أن تهدد هيمنة هذه الأحزاب، وعلى رأسها إقرار نظام الدائرة الانتخابية الواحدة الذي من شأنه أن ينهي المحاصصة ويفتح الباب أمام التنافس الحر. إن المنظومة القائمة تستثمر في غياب الوعي والتمثيل الحقيقي، وتراهن على ولاء قاعدتها الجماهيرية المحدودة لتُمرّر أجنداتها، متجاهلة بذلك إرادة الغالبية العظمى من الشعب.
أمام هذا الانسداد، تتجه المطالب الشعبية إلى طرح محكٍّ حقيقي لا يمكن للطبقة السياسية التهرب منه. تتبلور هذه المطالب في خارطة طريق واضحة لإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم. أولاً، يبرز مطلب إقرار قانون انتخابي يُلزم باختيار رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في دائرة انتخابية واحدة، مما يمنح قادة الدولة شرعية وطنية شاملة. وثانياً، يُطالب بوضع معيار لشرعية العملية الانتخابية عبر اشتراط حصول المشاركة على نسبة تزيد عن 50%. فإذا فشلت الأحزاب في تحقيق هذه النسبة، تُعتبر الانتخابات غير شرعية وتُلزم بإعادتها. ولا يكتمل هذا المسار الإصلاحي إلا بتفعيل قانون الأحزاب المدني، وضمان رقابة دولية فعلية من الأمم المتحدة، والإسراع في إعلان النتائج لمنع أي فرصة للتلاعب.
إن هذا المطلب الأخير يضع من يدّعي الدفاع عن “مكتسبات” الشعب في مواجهة حقيقة لا يمكن إنكارها: فإما أن يُثبت صدقه عبر إقرار قانون يضمن شرعية التمثيل الأكيدة، أو أن يقرّ صراحةً بأن ما يدافع عنه ليس سوى مصالحه الشخصية التي جنته من المنظومة السياسية القائمة. إن المسار نحو دولة حقيقية لا يمر عبر الأرقام الرسمية المزورة، بل يمر عبر استعادة ثقة الشعب، وفتح الطريق أمام تمثيل يمنحه الشرعية التي لا يمكن لأي كان أن يفرضها.






