وجوهٌ خفيّة لقتل الإنسان .. بقلم/ فرج احمد فرج باحث انثروبولوجيا

في لحظةٍ لا تُنسى، حين يقف الإنسان عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، لا لأنه لا يملك الحق، بل لأنه فقد القدرة على المطالبة به، تبدأ أول خيوط الذلّ في الالتفاف حول عنقه. الذلّ لا يأتي دائمًا بصوتٍ عالٍ، ولا يصفعنا على وجوهنا كما تفعل الإهانات الظاهرة. أحيانًا، يأتي في هيئة صمتٍ مُجبر، أو ابتسامةٍ متكسّرة، أو انحناءةِ رأسٍ تخلّت عن عنفوانها.
الذلّ ليس موقفًا عابرًا، بل حالة وجودية تُمارَس على الإنسان حتى تفرغه من نفسه، من صوته، من كرامته. وتلك المهانة التي تبدأ بإشارة، بنظرة ازدراء، بكلمة قاسية، قد تنتهي بتحوّل الإنسان إلى شيءٍ يُدار، لا كائن يُفكر ويختار.
في المجتمعات التي تهوى الصمت وتخشَى المواجهة، تنتشر المهانة كما تنتشر الرطوبة في الجدران القديمة: ببطءٍ، دون أن يلاحظها أحد، حتى تُصبح جزءًا من البناء ذاته. في تلك المجتمعات، يُربَّى الطفل على أن الإذعان فضيلة، وأن الاعتراض وقاحة، وأن احترام الآخرين يعني السكوت عن أخطائهم. ثم يكبر، ويكتشف أن عليه أن ينحني في حضرة مديره، وأن يبتلع الإهانة من أجل لقمة عيشه، وأن يقبل العنف في بيته لأنه لا خيار آخر أمامه.
المهانة ليست في الضرب فقط، ولا في السبّ، ولا في السجن أو القهر الظاهر. المهانة في أن تُجرَّد من حقك في أن تقول “لا”. أن تُقنع نفسك أن الصبر على الظلم حكمة، وأن تحمل في قلبك وجعًا لا تُشاركه، لأنك خائف… أو منهك.
الذلّ لا يُمارَس فقط من فوق الكراسي العالية. إنّه موجود في البيوت، في المدارس، في المعامل، في الشوارع. رجلٌ يهين زوجته باسم الرجولة. مديرٌ يُذلّ موظفًا باسم الانضباط. معلمٌ يُحطّم طالبًا باسم “التربية”. وكل هؤلاء لا يعرفون أن الذلّ لا يُهين الجسد فقط، بل يُتلف الروح.
الخطير في الذلّ أنه حين يُمارس باستمرار، يُصبح عادة. ويتحوّل الإنسان إلى متلقٍ للإهانة دون مقاومة. وقد يتماهى معها، ويبدأ في ممارستها على من هم أضعف منه، في دائرة مغلقة من القهر. هذا ما نراه في الأب الذي أُهين طيلة حياته، فيُمارس سلطته على أبنائه بالقسوة نفسها. وفي الموظف المقهور، الذي يُفرغ غضبه في وجه عامل النظافة أو المراجع البسيط.
والكارثة الأعظم حين يُزيَّن الذلّ بأسماء كاذبة: “احترام”، “نظام”، “أدب”، بينما هو في حقيقته طمسٌ لإنسانية الإنسان. كم من مرة يُقال للمرأة التي تُهان من زوجها: “اصبري، هذا زوجك”، أو للموظف الذي يُحتقر أمام زملائه: “تحمّل، هذه وظيفتك”، أو للطفل الذي يُعاقب بالعنف: “هذا لصالحك”. المهانة تلبس وجوهًا عديدة، وتختبئ خلف أقنعة مقبولة اجتماعيًا، حتى لا يعود الناس يرونها كجريمة.
وحين يتطبع المجتمع مع الذلّ، تصبح الكرامة ترفًا، ويُنظر لمن يطالب بها كأنه متمرّد، أو غير واقعي. لكن الحقيقة أن الكرامة ليست ترفًا، بل أصل الحياة. الإنسان بلا كرامة لا يعيش، بل يُستهلك. يتآكل داخليًا، يتحوّل إلى ظلّ، إلى كائن يعمل ويتنفس، لكنه لا يختار، لا يرفض، لا يحلم.
وقد ينجح الإنسان في النجاة من الفقر، أو الجهل، أو المرض، لكن من ينجو من الذلّ نادر. لأن الذلّ يُصيب ما هو أعمق من الجسد: يُصيب الإحساس بالقيمة، والإيمان بالذات. الذلّ يصنع إنسانًا لا يثق بنفسه، لا يثق بالآخرين، ولا يثق بالمستقبل.
ومع ذلك، فإن في داخل كل إنسان شيءٌ يرفض المهانة، وإن طال صمته. شيءٌ يثور حين تزداد الإهانات، ويكسر القيد حين يُداس على آخر ذرة كرامة فيه. لهذا، فإن الوقوف في وجه الذلّ ليس بطولة، بل ضرورة. أن تقول “لا” حين تكون “لا” مكلفة، أن تحمي نفسك من الانحناء، أن ترفض أن ترى غيرك يُهان وتكتفي بالمشاهدة.
الكرامة ليست درعًا خارجيًا، بل جدار داخلي يحمي الإنسان من السقوط الحرّ في اللامبالاة. ولذا، فإن المجتمعات التي تربي أبناءها على الوعي، والناس الذين لا يصمتون على المهانة، هم وحدهم الذين يحفظون إنسانيتهم من الذوبان.
فلا تُساوم على كرامتك. ولا تسكت عن ذلّ غيرك. لأن المهانة التي لا تصيبك اليوم، قد تكون غدًا على عتبة بابك.
في عالم يهيمن عليه منطق القوة، تواجه الدول الضعيفة معضلة وجودية حقيقية، إذ تجد نفسها عاجزة عن الدفاع عن أرضها وشعبها وحقوقها أمام قوى غاشمة لا تعترف إلا بمنطق السلاح والمصالح. وبينما ينادي القانون الدولي بالعدل والحق، يبقى الواقع شاهدًا على أن هذا القانون لا يُطبّق إلا على الضعفاء، أما الأقوياء، فإنهم يصوغونه على هواهم أو يتجاهلونه متى ما تعارض مع مصالحهم.
من بين أبرز صور هذا الواقع المرّ، ما تتعرض له فلسطين من اعتداءات وجرائم ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، تحت سمع العالم وبصره، دون رادع أو مساءلة. ووسط هذا الصلف الإسرائيلي المدعوم من قوى دولية نافذة، تقف بعض الدول العربية عاجزة، تكتفي بالإدانة والاستنكار، بينما لا تُترجم مواقفها إلى أفعال ملموسة تردع المعتدي أو تحمي المظلوم.
لكن هذا العجز ليس قدرًا محتومًا. فالتاريخ يثبت أن امتلاك القوة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو سياسية، هو الوسيلة الأنجع لمواجهة الغطرسة وفرض الاحترام. لا يمكن للدولة أن تحمي كرامتها وحدودها ومبادئها إلا إذا كانت مستعدة ومؤهلة للدفاع عنها بكل الوسائل، وعلى رأسها التسلح بما يضمن الردع الحقيقي لأي تهديد خارجي.
في هذا السياق، تبرز مصر كنموذج جدير بالتأمل. فعلى مدار تاريخها الحديث، خاضت مصر صراعات وجودية، وواجهت تحديات كبرى في سبيل الحفاظ على سيادتها وأمنها القومي. ومع إدراكها لحجم التغيرات في الإقليم والعالم، اختارت أن تبني قوتها العسكرية والردعية، حتى لا تُفاجأ يومًا بعدو يتربص بها وهي في موقع ضعف. إن ما تقوم به مصر من تطوير مستمر لقدراتها العسكرية، ليس سعيًا للحرب، بل تحصينًا للسلام، وتأكيدًا على أن الكلمة في هذا العالم لا تُسمع إلا حين تكون مدعومة بالقوة.
إن مواجهة الصلف الإسرائيلي وسياساته العدوانية تتطلب أكثر من خطاب أو بيان، بل تستوجب إرادة سياسية موحدة، وقوة عسكرية رادعة، واستعدادًا حقيقيًا للدفاع عن الحق. فحين يعرف العدو أن هناك من سيقف بوجهه بثبات، ويتصدى له بقوة



