المؤدي الذي يتكلم بالقرآن… مصداقية مزيفة أم إيمان حقيقي

بقلم الاعلامية/ د. غادة قنديل

 

في زمن ازدادت فيه المنابر وتعددت وسائل الإعلام، برزت أمامنا ظاهرة “الشخص المؤدي” الذي يجيد استخدام الكلمات المؤثرة والآيات القرآنية في حديثه ليمنح كلامه مصداقية أمام الناس. يختار من القرآن ما يخدم غايته، ويرتدي ثوب الواعظ الصادق، بينما في الحقيقة قد يكون هدفه مختلفًا تمامًا: مكسب مادي، مكانة اجتماعية، أو تأثير سياسي.

القرآن الكريم نزل ليكون هدى ورحمة، لا وسيلة للاستعراض أو ورقة رابحة في خطاب إنشائي. ومن يتعامل معه على أنه زينة كلامية، يفقد جوهر رسالته العظيمة. وهنا يظهر الفرق بين المؤمن الصادق والمؤدي البارع:

المؤمن الصادق يتدبر الآيات، يعيش معانيها، ويترجمها إلى أفعال وسلوك.

المؤدي يقتطع النصوص، يرفع صوته، ويؤدي ببراعة، لكنه لا يحمل في قلبه نور القرآن.

يقول الله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204].

هذه الآية تلخص لنا صورة المؤدي: كلام معسول يُعجب السامعين، واستشهاد بآيات الله، لكن قلبه بعيد عن الصدق والإخلاص.

أثر المؤدي على المجتمع

قد ينجح هذا النوع من الأشخاص في خداع الناس لفترة، لكنه مع الوقت يُفقد المجتمع ثقته في الخطاب الديني، ويزرع الشكوك في النفوس: هل هذا الذي نسمعه دعوة إلى الله حقًا، أم مجرد عرض مسرحي لإقناع الجمهور؟ وهنا تكون الإساءة مضاعفة: إساءة للقرآن، وإساءة للناس.

كيف نواجه الظاهرة؟

1. التربية على التدبر: تعليم الناس أن قيمة القرآن في معانيه وتطبيقه لا في مجرد الأداء الصوتي.

2. الوعي والتمييز: لا ننبهر بالكلمات المنمقة، بل ننظر إلى سلوك المتكلم ومدى صدق أفعاله.

3. النموذج العملي: القدوة الحقيقية هي من يعيش القرآن في أخلاقه ومعاملاته، لا من يزين به خطابه

4. النقد البناء: يجب أن نكشف زيف المؤدي ونوضح للناس الفرق بين المظهر والجوهر

القرآن الكريم كتاب هداية ونور، وليس وسيلة لتلميع صورة أو تحقيق مكسب. والمؤدي الذي يتحدث بالقرآن ليكسب ثقة الناس دون أن يعيش معانيه، أشبه بممثل يتقن الدور على خشبة المسرح، لكنه يفتقد الإيمان الحقيقي. إن المصداقية لا تُستمد من قوة الأداء، بل من صدق الإيمان والعمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى