خاطرة: رسالة إلى دوستويفسكي بقلم: تهاني عدس

خاطرة: رسالة إلى دوستويفسكي
بقلم: تهاني عدس
عَزِيزِي دوستويفسكي، أُحَيِّي فِيك عُمْقَك الفَرِيد مِنْ نَوْعِهِ وَجُرْأَتِك المَعْهُودَةِ فِي تَفْسِيرِ الطَبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، لٰكِنَّكَ تَرَكْتَنِي فِي حالَةٍ مِنْ الدَهْشَةِ وَالحَيْرَةِ فِي آنٍ واحِدٍ؛ خاصَّةً عِنْدَما قَرَأْتُ قَوْلَكَ الشَهِيرَ فِي وَصْفِ سيكولوجِيَّةِ النِساءِ:
“النِساءُ لا يَقَعْنَ فِي الحُبِّ مِثْلُنا يا صَدِيقِي، النِساءُ يَقَعْنَ فِي حُبِّ المالِ وَالسُلْطَةِ وَالنُفُوذِ، هَلْ رَأَيْتَ كَيْفَ تَتَفاخَرُ النِساءُ بِرِجالِهِنَّ؟ إِنَّهُنَّ يَتَفاخَرْنَ بِراتِبِهِمْ وَمِهَنِهِمْ وَسَيّاراتِهِمْ وَمَنازِلِهِمْ! لَمْ أَرَ يَوْماً فِي حَياتِي اِمْرَأَةً تَفْتَخِرُ بِرَجْلِها كَوْنَهُ وَفِي وَصادِقَ.”
لا أَدْرِي مِنْ هُنَّ النِساءُ اللّاتِي أَثْرَنُ فِيكَ بِهٰذا الشَكْلِ. قَدْ اِتَّفَقَ مَعَكَ فِي أَنَّ هُناكَ نَوْعاً مِنْ النِساءِ هٰكَذا، لٰكِنَّهُنَّ لا يُمَثِّلْنَ الأَكْثَرِيَّةَ. هُنَّ فِي الغالِبِ ساحِراتٌ، مُبْهِراتُ الجَمالِ، وَبارِعاتٌ فِي الإِغْراءِ. يُفَضِّلْنَ الرَجُلَ الثَرِيَّ، وَيَتَغاضَينَ عَنْ عُيُوبِهِ سَواءٌ فارَقَ العُمْرَ أَوْ الشَكْلَ أَوْ الثَقافَةَ أَوْ حَتَّى سُوءَ الخُلْقِ.
لا يَبْحَثْنَ عَنْ الحُبِّ، وَكُلُّ ما يَرِدْنَ هُوَ المالُ. وَلَوْ شاءَ القَدَرُ، وَضاعَ مالُ الرَجُلِ وَاِفْتَقَرَ، تَبَرَّعْنَ بِهِ مَجّاناً وَتَخَلَّيْنَ عَنْهُ.
وَفِيما يَبْدُو أَنَّ غالِبِيَّةَ الرِجالِ وَخاصَّةً مَيْسُورَيْ الحالِ، يَنْجَذِبُونَ لِهٰذا النَوْعِ مِنْ النِساءِ. وَكَأَنَّ هُناكَ اِتِّفاقاً مُبَرِّماً عَلَى أَنَّ الجَمالَ مُقابِلَ المالِ. وَعِنْدَما يَكْتَشِفُ هٰؤُلاءِ الرِجالُ الحَقِيقَةَ، يَقُولُونَ أَنَّ النِساءَ جَمِيعُهُمْ لا يُرِيدُ إِلّا المالَ.
وَفِي الحَقِيقَةِ يُوجَدُ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ النِساءِ لا يُعْتَبَرُ المالُ أَوْلَوِيَّةً. وَالحُبُّ بِالنِسْبَةِ لَهُنَّ لا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلاً، وَلا بَأْسَ مِنْ أَنْ يَتَوَفَّرَ المالُ ثانِياً. مِنْهُنَّ مَنْ يُمْكِنُها أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ الرَجُلِ الثَرِيِّ أَوْ ذِي سُلْطَةٍ إِذا أَساءَ مُعامَلَتَها، أَوْ فَضَّلَ عَلَيْها اِمْرَأَةً أُخْرَى.
مِنْهُنَّ الأَمِيرَةُ دَيانا الَّتِي تَرَكَتْ زَوْجَها الأَمِيرَ تشارلز، مَلِكَ بَرِيطانْيا حالِيّاً. تَرَكَتْهُ لِأَنَّها لَمْ تَجِدْ الحُبَّ بَيْنَ جُدْرانِ قَصْرِهِ المَلَكِيِّ الفَخْمِ. وَلَمْ يَعُوضْها بَرِيقُ الأَلْماسِ عَنْ غِيابِ حُبِّهِ لَها وَاِهْتِمامِهِ بِها. فَتَنازَلَتْ عَنْ حُلْمِ العَرْشِ؛ لِأَنَّها رَفَضَتْ خِيانَتَهُا لَهُ.
وَغَيْرُها تُوجَدُ الكَثِيراتُ مِمَّنْ يَنْتَمُونَ إِلَى ثَقافاتٍ مُخْتَلِفَةٍ،اللّاتِي يُقَدِّمْنَ كُلَّ ما يَمْلِكْنَ مِنْ وَقْتٍ وَصِحَّةٍ وَطاقَةٍ وَحُبٍّ مُقابِلَ بَيْتٍ دافِئٍ، وَزَوْجٍ رَحِيمٍ يَصُونُ العَشَرَةَ.
فِي نِهايَةِ الأَمْرِ دَعْنِي أُخْبِرُكَ سِرّاً عَنّا نَحْنُ النِساءَ.
جَمِيعُنا وَبِصَرْفِ النَظَرِ عَنْ أَيِّ نَوْعٍ نَنْتَمِي إِلَيْهِ، لا نَقَعُ فِي حُبِّ الكَسُولِينِ وَالفاشِلِينَ وَالمُتَنَطِّعِينَ مِنْ الرِجالِ.
غالِبِيَّتُنا لا تَعْتبر فَقْرَ الرَجُلِ عَيْباً بِهِ طالَما لَدَيْهِ الطُمُوحُ وَالعَزِيمَةُ عَلَى تَوْفِيرِ حَياةٍ كرِيمَةٍ لِأُسْرَتِهِ.
نَحْنُ لا نفْتَخِرُ بِرِجالِنا كَوْنَهُمْ أَوْفِياءَ وَصادِقِينَ، لِأَنَّ الوَفاءَ وَالصِدْقَ هُما أَبْسَطُ الحُقُوقِ لَنا عَلَيْهِمْ.
نَحْنُ نَتَفاخَرُ بِرِجالِنا، وَبِإِنْجازاتِهِمْ وَمُمْتَلَكاتِهِمْ وَمَواهِبِهِمْ وَهَيْبَتِهِمْ بَيْنَ أَقْرانِهِمْ. نَتَباهَى بِهِمْ وَلا نُخْفِيهِمْ عَلَى الناسِ؛ لِأَنَّنا نَعْتَبِرُهُمْ كَالحُلِيِّ ثَمِينَةَ الثَمَنِ.
إِلَيْكَ رَأْيَ شَيْخِنا المَنْفَلُوطِي فِي شَرْحِ نَظْرَةِ المَرْأَةِ لِلرَجُلِ:
“فَلا أُوقِعُ فِي نَفْسِها، وَلا أَشْهَى إِلَى قَلْبِها مِنْ أَنْ تَسْمَعَ الرِجالَ يَقُولُونَ عَنْهُ إِنَّهُ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَالنِساءُ يَقُلْنَ عَنْهُ أَنَّهُ فَتىً جَمِيلٌ. فَهِيَ تُحِبُّهُ لِخُيَلائِها، أَكْثَرَ مِمّا تُحِبُّهُ لِذاتِها وَشَهَواتِها.”
إِنَّنا نُحِبُّ أَنْ نَرَى الناسَ مُعْجَبِينَ بِهِمْ، وَنَعْتَبِرَ هٰذا الإِعْجابَ دَلِيلاً عَلَى حُسْنِ حَظِّنا وَسُطُوعِ نَجْمِنا وَاِكْتِمالِ سَعادَتِنا.






