أحمد شادي يكتب .. مراوغة الواقع .. وإستنزاف الذات

لما بنمر بموقف، سواء كان ساب أثر سلبي أو أثر إيجابي، فإحنا شخصيتنا بتتغير، سواء على المدى البعيد أو المدى القريب. بنبقى نسخة جديدة غير النسخة اللي اتعرضت للأثر ده .. إحنا عاملين زي الكتاب اللي بيكتب فيه الروائي قصته. بيصحى كل يوم، يمسك الورقة والقلم، ويكتب… وبعدين يمسح حاجة مش عاجباه، ويكتب حاجة غيرها. يضيف موقف، ويشيل موقف تاني، ويضيف شخصية، ويعتبرها قريبة جدًا من الشخصية الرئيسية في روايته وبعدين يرجع ينزل درجة القرب دي شوية، ويدخل شخصية تانية وتالتة ورابعة وهكذا.

جمال الكاتب إنه بيتحكم في مسار كل شخصية براحته؛ بيفكر، ويبدع، وياخد وقته، ويحلل،
وبعدين يقرر إنه يرسم خطوط الشخصية والأحداث اللي بتدور حواليها بالشكل اللي يناسبه، واللي هو حابب يصوره. لكن .. هل الواقع سهل إننا نرسمه ونتحكم فيه ونغيره إحنا والواقع دايمًا في صراع وخناقة.
هو يشدنا، وإحنا دايمًا عايزين نهرب منه. بيفرض نفسه علينا، وإحنا بنتعامل معاه دايمًا إنه ضيف تقيل غير مرغوب فيه، ونفسنا ياخد واجبه ويمشي. عمرنا ما فكرنا نتقبله، أو نبص على الإيجابيات اللي فيه.
دايمًا بنبص على سلبياته، وقد إيه هو متعب ومرهق ومتطفل على راحتنا، وبيعكّر مزاجنا، وبيـاخد مننا كل لحظتنا الجميلة.

بس الواقع ليه رأي تاني خالص…
بيتعامل معانا إننا غاليين عليه جدًا.
ضيوف أعزاء، لازم يقدملهم كل الموجود عنده.
مش فارق معاه إيه اللي موجود عنده وهيعجبنا ولا لأ.
هننبسط ولا هنزعل؟ مش مهم.
مش بيفكر، ومش هيبطل أبدًا يقدملنا كل الموجود عنده.

طيب، ما نهرب منه؟
يلا بينا نهرب…

بس استنى…
هنهرب نروح فين؟
هو إيه هو الواقع اللي ممكن نهرب منه؟ الشغل مثلًا؟
آه، الشغل واقع مرير، نفسنا نهرب منه.

طيب ما الفراغ واقع…
هتهرب من واقع الفراغ تروح فين؟
وجود أولاد واقع، وعدَم وجودهم واقع.
وجود حبيب واقع، وعدَم وجوده واقع.
وجود أم حنونة واقع، ووجود أم قاسية واقع.
الحياة بكل تفاصيلها واقع.

الهروب من الشيء لضده… هو الهروب من واقع لواقع.

إيه الحيرة دي؟
طيب أعمل إيه مع اللي بيطاردني في كل مكان ده، وعنده إصرار غريب إنه “يُضايفني”؟ قصدي يضايقني؟؟

فكرت مرة تواجهه؟
تتأمل فيه؟
تبصله بصّة مختلفة؟
تلف حواليه وتشوف كل زاوية فيه عاملة إزاي؟
تيجي من الجنب ده وتتأمله شوية، وبعدين تروح الجنب التاني، وهكذا؟

ما أنت طول ما أنت بتجري منه وتهرب وتستخبى، هتتعب نفسك…
هيتقطع جسمك، هيوجعك، راسك هتصدّع…
وهتيجي في الآخر تستسلم وتقوله: “اعمل فيا اللي إنت عايزه”.

ووقتها هتبقى شايفه… أو بمعنى أصح: مش شايفه،
ولا قادر تشوف حقيقته،
ولا قادر تتعامل معاه،
لأن المجهود اللي كان المفروض تبذله في إنك تقرأ الواقع بتاعك،
انت بذلته وأنهكته في هروبك منه.

من الآخر…

إنت بتفضل تلف في دواير،
وفي الآخر بتضطر تروح تواجه.

بس فرق كبير لما تواجه وإنت منهك القُوى،
وإنك تواجه وإنت في كامل قوتك.
قادر تركز،
قادر تشوف الصورة واضحة،
قادر تشوف أدق التفاصيل،
قادر تنفّذ خططك…
لأنك في كامل قواك النفسية والبدنية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى