الزهرة العناق تكتب: ماذا يحتاج المراهق اليوم؟

 

تمر مرحلة المراهقة كالفجر بين ليل الطفولة وضوء الرشد، مرحلة دقيقة تتقاطع فيها العواطف والأفكار، ويبدأ فيها الإنسان رحلة البحث عن ذاته، عن صوته الخاص، وعن ملامح شخصيته التي سترافقه مدى الحياة.

في هذه المرحلة الحساسة، لا يحتاج المراهق إلى من يعيد تشكيله على صورة الكبار، بل إلى من ينصت إليه بصدق، ويفهم اضطراباته دون أن يدينها، ويؤمن بقدراته و قدرته على النضوج والتغير من الداخل.

إن المراهق حين يشعر أن هناك من يراه كما هو، وليس كما يفترض أن يكون، يبدأ في بناء جسر الثقة بينه وبين نفسه. تلك الثقة التي تعد الحجر الأساس في تكوين شخصية قوية و متزنة، قادرة على مواجهة الحياة بثبات ووعي.

والمربي الحكيم – سواء كان أبا أو معلما – لا يفرض طريقا، بل يرافق بخطى ثابتة، يوجه دون أن يسيطر، ويلهم دون أن يلغي. فهو يدرك أن الهوية لا تلقن، بل تكتشف، وأن أجمل ما يقدم للمراهق ليس النصح فقط، بل الاحتواء، و القدوة، و الإيمان الحقيقي بقدرته على التميز.

الثقة بالنفس لا تولد فجأة، بل تزرع كلمة كلمة، و موقفا موقفا.

عندما نشيد بجهده بدل مقارنته بالآخرين، عندما نكلفه بمسؤولية فنقول له: “أثق بك”، عندما نتيح له المجال ليعبر عن رأيه، حينها يشعر أن صوته مسموع وأن وجوده ذو قيمة.

من تلك اللحظة، يبدأ المراهق في رؤية نفسه جميلاً، ليس بمعايير المظهر، بل بمعايير الجوهر: في فكره، ومواقفه، وأحلامه.

إن بناء هوية المراهق ليس مشروعا يتحقق بوثيرة مسرعة، بل رحلة تحتاج إلى صبر وفهم وحب.

المراهق الذي يجد في محيطه من يؤمن به، يصبح أكثر اتزانا، و أعمق رغبة في النجاح، و أصدق احتراما لذاته ولغيره.

فالإيمان بالإنسان يولد إنسانا قادرا على الإيمان بنفسه.

أخيرا وليس آخرا، لنمنح لأبناءنا المساحة ليخطئوا و يتعلموا، ليتحدثوا ويعبروا، ليتساءلوا ويبحثوا.

فكلما شعر المراهق بأننا نراه ونقدره كما هو، نما بداخله ذلك الصوت الصافي الذي يقول بثقة ورضا:

 “أنا أستحق، أنا أستطيع، أنا جميل كما أنا، أنا إنسان.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى