جعل الله الأرض مقرا للبلاء والإمتحان .. الكاتب/ محمـــد الدكـــروري

الحمد لله ثم الحمد لله الملك القدوس السلام، الحمد لله الذي أعطانا كل شيء على الكمال والتمام، والحمد لله الذي رفع السماء بلا عمد ووضعها للأنام، يا ربنا لك الحمد حتى ترضى، وإذا رضيت وبعد الرضا، ونشهد بأنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن سيدنا محمد عبدك ورسولك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد إن جميع ما خلقه الله سبحانه وتعالى في السموات والأرض مما ينتفع به المكلفون فإنما خلقه الله سبحانه لأجلهم، وأما بداية البشرية، فقد خلق آدم من طين كما جاء في آيات كثيرة من القرآن الكريم، وهذا الطين كان قبضة قبضها الجبار جل وعلا من جميع الأرض كما قال النتي المصطفي صلى الله عليه وسلم ” إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك،
والسهل والحزن، والخبيث والطيب” رواه أبو داود والترمذي، وأكرم الله تعالى أصل البشر بأن نفخ فيه من روحه، وأمر ملائكته بالسجود له، ولقد إستكبر إبليس على أمر ربه، واستحقر شأن آدم، وحسده على ما أكرمه الله تعالى به من الخلق، ونفخه الروح فيه؛ فأبى أن يسجد له، فحقت عليه لعنة الله تعالى فأعلن عداوته لهذا المخلوق الجديد، الذي طرد من الرحمة بسببه، وأقسم بعزة الله تعالى ليغوينه وذريته فإنه ابتلاء ابتلي به آدم عليه السلام وإبتليت به ذريته من بعده لحكمة يريدها الله تعالى وهو العليم الحكيم، وبعد خلق آدم عليه السلام خلقت زوجه من ضلعه، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، أسكن الله تعالى آدم وزوجه جنته، وأباح لهما الأكل منها حيث شاءا.
إلا شجرة واحدة حرّمها عليهما إمتحانا لهما، وكان إبليس ماضيا فيما عزم عليه من إغواء آدم وذريته، وكان يعلم أن لوساوسه مدخلا عليهم لما رآه من طبيعة خلق أبيهم، وما فيه من مركب الشهوة، كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” لما صور الله آدم في الجنة تركة ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك ” رواه مسلم، والأجوف صاحب الجوف وقوله لا يتمالك أي لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، وقيل لا يملك دفع الوساوس عنه، والمراد جنس بني آدم، ولأجل ذلك فإن الله تعالى حذر آدم وحواء عليهما السلام أشد التحذير من عداوة إبليس ووسوسته، وجعل ثمن طاعتهما لأمر ربهما بعدم الأكل من الشجرة المنهي عنها البقاء في الجنة، والتمتع بما فيها من خيرات.
وبدأ إبليس ينفذ ما وعد من الوسوسة، وكانت تلك هي بداية تكليف آدم وحواء وإمتحانهما، ولما كانت هذه النعم مشتهاه عند آدم وزوجته عليهما السلام ويجدان فيها من اللذة ما كمل به نعيمهما فإنهما خشيا من زوالها، وتلك الشهوة كانت هي نقطة الضعف، التي تسلل الشيطان من خلالها إلى قلبيهما وإنه وزوجه قد زلا الزلة التي نهاهما عنها ربهما، ولكن من رحمة الله تعالى بآدم وحواء وذريتهما من بعدهما، أنهما لم يصّرا على الخطيئة كما فعل إبليس، ولم يجادلا كما جادل بل بادرا بالتوبة والاستغفار فقبل أرحم الراحمين توبتهما وعفا عنهما، وأهبطهما إلى الأرض كما أهبط إبليس، وجعل الأرض مقرا للبلاء والامتحان مدة من الزمان معدودة هي الحياة الدنيا، وجرى قلم التكليف على ذرية آدم من بعده، وظل إبليس ينفذ وعده، ولا يزال يفعل، وسيظل إلى ما شاء الله تعالى.






