هيام علي بيومي تكتب : اعترافات معلم مصري (٢)

 

لم يكن التعليم يومًا وظيفةً فحسب؛ بل كان رسالةً ينهض بها الأنبياء قبل أن يحملها البشر.. غير أن المعلم المصري اليوم يقف في مفترق الطرق؛ بين قدسية الرسالة وقسوة الواقع؛ بين ما يُنتظر منه من عطاءٍ لا ينضب، وما يلقاه من تقديرٍ لا يُسمن ولا يُغني من كرامة.

received 2184537212031237

أنا معلمٌة نشأت من تراب هذا الوطن، أنتمي إلى طبقةٍ ظنّ الناسُ أن رسالتها وحدها تكفيها عن مطالب الحياة. أحمل في يدي طبشورةً صغيرة، لكني أحمل معها أجيالاً بأحلامها، أحارب الجهل بعينٍ متعبة وقلبٍ مثقلٍ بالهموم. يدخل طلابي الفصل؛ وأنا أرى فيهم صورة الوطن القادم، لكن حين ألتفت إلى راتبي المتآكل، وإلى أوراقي المكدّسة فوق مكتبٍ متداعٍ، إلي نفسية متعبة وواقع يدفعني كل يوم لأصير عكس ما حلمت..

نعم، لقد حلمت وأنا صغيرة أن أصير مصباحا ينير الطريق لأحلام الصغار..حلمت بقلوب تنمو بحب وهي تسمعني أغنى أنشودة في حب الحياة..أغني على يقين أن الوطن ينصف من يصنع أبناءه.. لكن الواقع أكثر وجعا من أن أسكبه على ورق.. ففي الوعي الجمعي، ما زال «الأستاذ» يحمل هالةً من الاحترام القديم، لكنها هالةٌ باهتة، صارت في المخيلة أكثر منها في الواقع.. واقعي كمعلم يؤلم كوخز السهام حين تصادف الجسد المتعب..

في زمنٍ مضى، كان الطفل ينهض عند مرور المعلم في الطريق، وكانت الأسرة تهابه كهيبة الأب. أما اليوم؛ فالمعلم يُحاسَب على كل كلمة، ويُهان على يد من كان بالأمس يفتخر بأنه «تلميذه».. تحوّل التقدير إلى شعارٍ محفوظ، لا إلى سلوكٍ معاش.. يعيش المعلم المصري صراعًا يوميًا بين ضميره المهني واحتياجاته الإنسانية. فكيف لمن يعلّم القيم أن يقف في طوابير المواصلات آخر النهار، يحمل في يده حقيبةً مهترئة ووجعًا لا يُرى؟! كيف لمن يزرع في النفوس حبّ الوطن أن يشعر بالغربة في وطنه؟! كثيرون لا يدركون أن وراء كل درسٍ يكتبه، هناك درسٌ أكبر يتعلمه هو عن الصبر والاحتمال والرضا القاسي. ليست المأساة في قلة الراتب وحدها، بل في الشعور بأن الجهد لا يُقدّر، وأن المجتمع ينظر إلى التعليم كخدمةٍ هامشية، لا كعمودٍ ترتكز عليه الأمم. المعلم اليوم يكتب الدرس بيده، ويمحو كبرياءه بالممحاة ذاتها. ورغم ذلك؛ يبتسم، لأن تلميذًا واحدًا فهم فكرة، أو لأن عينًا صغيرة أضاءت بالفهم بعد حيرة.. تلك اللحظة وحدها تكفيه عن أعوامٍ من التعب.

أنا معلمة مصرية من قرية بعيدة عن أعين المدنية لكنها تزدهر بزهور يانعة تدخل الحرم المدرسي كل يوم على أمل أن تجد يوما رائعا، أريد أن أملك الفرصة لأمنحها ذلك .. لا أطلب أن تُفرش لي الطرقات بالورود، ولا أن يُرفع لي تمثال، بل أن يُعاد الاعتبار لهذه المهنة التي تنهض بها الأمم وتسقط بسقوطها. أن تخفف الضغوط وتقل أصابع الاتهام.. أن يتحدث باسمي من انتخب ليمثلني..أطلب أن يُنظر لي كمعلم ومربي لا كموظفٍ يُؤدي واجبًا، بل كصانعٍ للعقول، ومهندسٍ للضمائر، وحارسٍ للهوية.

إن إصلاح التعليم لا يبدأ من المناهج ولا من المباني، بل من الإنسان الذي يقف أمام السبورة كل صباح، يبتسم رغم وجعه ليزرع الأمل رغم كل انكسار. فإذا أردنا لمصرنا الغالية أن تنهض، فلنبحث أولاً عن المعلم في قلبها، ولنُعِد إليه ما فقده من تقديرٍ وكرامة؛

فأنا لست لست مجرد مهنة بل ضمير وطنٍ يُكتَب بالطبشور، ويمحوه النسيان أحيانًا، لكنه يظلّ الحقيقة التي لا تمحى.

معلمة مصرية لا يعرفها أحد..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى