أحمد الحسينى يكتب: المستهلك الجديد.. كيف أعادت الخوارزميات تشكيل رغبات البشر؟

 

في عصور سابقة، كانت أقدامنا تتجه إلى السوق ونحن نحمل رغباتنا في قوائم مكتوبة بأيدينا وفق حساباتنا، نعرفها ونفهمها، ثم نعود بيوتنا، حامليًن ما نشاءه, كنا نتسوق مُمسكًين برغباتنا في قائمة مشتريات ، نعرفها ونقودها، ثم نعود بما شاءت يدانا أو اعيننا أو حاجاتنا. أما اليوم، فقد بات السوقُ هو من يأتي اليك، يزورك في شاشاتك ويهمس لأجهزتك وإشعاراتك وفضاءاتك الرقمية، يقرأك قبل أن تبوح، ويقترح قبل أن تفكّر، ويُغري قبل أن تنوي او تعد العده. لم يَعُد المستهلك سيد الرحلة، بل صار في كثير من المواضع رفيقًا تُمسك برغبته خوارزمية لا تُرى، تقتفي أثره، وتجمع فتات سلوكه، وتعيد تشكيله في صورة قرارٍ جديد.

لقد أفرزت ثورة الذكاء الاصطناعي — في أقل من عقدٍ واحد — مستهلكًا جديدًا؛ أكثر استعجالًا، أقل ولاءً، أشد حساسية للتجربة، وأقرب إلى الاستسلام لـ«ذكاءٍ خارجي» يصنع له خارطة الرغبة ويُهندس له مسار الاختيار.

________________________________________

رغبة يُعاد تشكيلها

لم تَعُد الرغبةُ فعلًا إنسانيًا خالصًا، بل أصبحت اليوم نتاج تفاعلٍ بين وعي الفرد وخوارزميات تعرف مساراته الخفية. فشركات التجارة الإلكترونية تعتمد — أكثر من أي وقت مضى — على نظم توصية تُسهم في أكثر من 35% من المبيعات لدى امازون ، بينما تكشف دراسات عالمية أن 71% من المستهلكين يتوقعون تجربة شخصية مُفصّلة تراعي ذوقهم وطباعهم. هكذا سُلِّمت بوابة التأثير للآلة، وبدل أن يبحث الإنسان عمّا يُريده، صار ينتظر ما تظن الخوارزمية أنه يُريده.

________________________________________

من الولاء للعلامة… إلى الولاء للراحة

كان المستهلكُ قديمًا أسير علامةٍ تجارية يتوارث حبها أو يُبصر نجومها في طرقات الإعلانات. أمّا اليوم، فقد هدَم الذكاء الاصطناعي تلك القداسة؛ فـالولاء لم يعُد للعلامة، بل للتجربة: للسرعة، للسعر، للواجهة التي تُسهِّل القرار وتختصر الزمن. رحم الله الزمن الذي كانت فيه العلامة التجارية «هوية»، فقد صارت في عصر الخوارزميات «خيارًا قابلًا للاستبدال في ضغطة واحدة».

________________________________________

وهم الإرادة… وضجيج التخصيص

إنّ أخطر ما حمله الذكاء الاصطناعي إلى السوق ليس تسارع التسوّق، بل توهُّج الوهم؛ إذ يظنّ المستهلك أنه يختار بحرّية، بينما تُعيد الخوارزميات ترتيب العالم من حوله بحيث لا يرى إلا ما تريد هي أن يراه. وحين يُقترَح عليه المنتج «المثالي»، تُحقَن رغبته بنوع جديد من القناعة الجاهزة، حتى غدا بعض الباحثين يصفون المستهلك المعاصر بأنه يمتلك قرار الشراء، لكنه لا يمتلك مقدماته.

________________________________________

المستهلك الباحث… لا المتلقي

ورغم هذا المشهد المربك، فإن للإنسان يقظته أيضًا. فجيل اليوم صار أكثر قدرة على التمحيص، يستخدم أدوات الذكاء ذاتها لمساءلة السوق ومقارنة العروض واستشارة الروبوتات الذكية قبل الشراء. وتشير تقارير حديثة إلى أن 39% من المستهلكين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المنتجات قبل اتخاذ القرار. إنّه مستهلك يبحث، ولكنه يبحث داخل غابة صنعها غيره واضعا له الفخ المناسب ..فى انتظار الصيد .

________________________________________

زمن الاستعجال

لقد استولد الذكاء الاصطناعي ثقافة «الآن». يريد المستهلك ردًّا فوريًا، وتوصيلًا عاجلًا، وتجربة لا تحتمل بطئًا أو تعطلًا. فكل تأخير هو خسارة؛ وكل بطء هو مغادرة. وفي هذا المشهد لم يعُد الصبر قيمة استهلاكية، بل أصبح عيبًا في الخدمة أو نقيصة في المنصة.

________________________________________

إلى أين يمضي هذا الإنسان؟

يمضي نحو مستقبلٍ تُصبح فيه الأسواق كائنات رقمية تفكّر وتتعلّم وتتنبأ، بينما يتقلص الهامش الإنساني في لحظة القرار. غير أنّ جوهر المسألة لا يزال بيد الإنسان: هل يكون سيدًا واعيًا يستخدم الذكاء كأداة؟ أم تابعًا مطمئنًا يترك للآلة أن تختار عنه لأنها «تُتقن الحساب» أكثر منه؟

________________________________________

خاتمة

لقد خلق الذكاء الاصطناعي مستهلكًا جديدًا:

مُدلَّلًا في التوقع، مُستعجلًا في الرغبة، مُحاطًا بما يريد قبل أن يريد، ومشدودًا بخيوط شفافة لا يشعر بها إلا حين يحاول التفلّت منها. ومع ذلك يبقى السؤال مفتوحًا:

هل سنملك، في سوقٍ تقوده الخوارزميات، أن نحافظ على إنسان الفرد داخل المستهلك، أم سنستيقظ يومًا لنكتشف أن الرغبة لم تَعُد رغبتنا، بل رغبة جرى هندستها خلف ستارٍ من الأكواد؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى