الفاشر تحت الحصار: مأساة إنسانية وصمت دولي

> “الفاشر تحت الحصار: مأساة إنسانية وصمت دولي
بقلم / الصحفية دلال ندا
تقع مدينة الفاشر في شمال ولاية دارفور الغربية بالسودان، وهي إحدى المدن ذات الأهمية الاستراتيجية والتاريخية داخل الإقليم. على مدى العُقُود، شهدت الفاشر فترات صراع ونزاع، لكنها اليوم تُعاني من حصار وإنسداد إنساني حاد. في هذا المقال، نسلّط الضوء على واقع الفاشر، الحصار الذي تعيشه، الجرائم والانتهاكات التي تُرتكب بحق مواطنيها، وأبعادها الإنسانية والقانونية.
سياق الحصار والنزاع
منذ اندلاع النزاع بين قوات الدعم السريع (RSF) والقوات الحكومية/القوات المسلحة في السودان عام 2023، أصبحت الفاشر إحدى بؤر الصراع الأساسية في إقليم دارفور.
تُشير تقارير من يونيسيف إلى أن المدينة تخضع لحصار كامل لأكثر من 500 يوم، إذ يعيش فيها نحو 260,000 مدني، بينهم حوالي 130,000 طفل، ممن هم مقطوعون عن المساعدات الإنسانية.
الحصار يفوق كونه مجرد إغلاق طرق: هو تجويع واستهداف شامل للبنى التحتية، وخنق متعمّد للوصول إلى الغذاء والدواء والرعاية.
الانتهاكات والجرائم المُرتكبة
1. تجويع المدنيين واستعمال الحصار كسلاح
أفادت التقارير بأن سكان المدينة بدأوا في استهلاك علف الحيوانات نتيجة نقص المواد الغذائية الحاد.
الحصار المطبق جعل المدينة محاصرة بلا وصول منتظم للمساعدات الغذائية والطبية، وفق برنامج الغذاء العالمي.
ووصف مراقبون الوضع بأنه “إبادة بطيئة” مستخدمة ضد المدنيين، عبر تجويعهم وطردهم وقطع الخدمات الأساسية.
2. القصف والهجمات العشوائية على المناطق المدنية
في مايو 2024، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية دماراً واسعاً في مربعات سكنية في الفاشر نتيجة القصف المستمر والاشتباكات.
هجوم لقوات الدعم السريع أسفر عن مقتل 30 مدنياً وجرح 82 آخرين، أغلبهم من النساء والأطفال، في مدينة الفاشر.
3. التمييز العرقي وقائمة الاتهامات بجرائم ضدّ الإنسانية
بحسب بيان صادر عن مجلس السيادة الانتقالي السوداني، هناك “جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب” تقوم بها قوات الدعم السريع بحق المدنيين في الفاشر، شملت قتل ممنهج وتطهير عرقي.
كذلك، تقارير حديثة من الأمم المتحدة والوكالات الدولية تشير إلى أن تجويع المدنيين، وقطع وصول المساعدات، واستهداف المستشفيات قد تُصنّف كجرائم حرب أو إبادة محتملة.
4. انهيار الخدمات الأساسية والرعاية الصحية
قال طبيب من إحدى بعثات الإغاثة أن المدينة تعاني “جحيم” بسبب الحصار، والمنشآت الصحية شبه مدمّرة.
مرضى يعالجون ببدائل بدائية، حالات سوء التغذية بين الأطفال تتزايد، والتفشّي الكبير للأمراض بسبب انقطاع المياه والخدمات.
التأثير الإنساني
الأطفال هم من الأكثر تضرّراً: سوء التغذية المزمن، التعطّل الدراسي، فقدان الأمان، كلها تؤثّر على جيل كامل في الفاشر.
آلاف الأسر نزحت أو باتت مهددة بالنزوح أو الموت بسبب الجوع أو القصف، مما يعمّق دائرة المعاناة ويزيد الفقر والضعف.
المجتمعات المحلية باتت تواجه انهياراً اجتماعياً واقتصادياً: توقف الأسواق، ارتفاع جنوني للأسعار، تجارة إنسانية أو تهريب للبضائع.
الأبعاد القانونية والسياسية
استهداف المدنيين، قطع الوصول الإنساني، تجويع السكان كوسيلة حرب، جميعها تخضع لمعايير القانون الدولي الإنساني وجرائم الحرب المحتملة.
المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية يطالبون بفتح ممرّات إنسانية، رفع الحصار فوراً، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.
لكن، رغم الدعوات، يبدو أن التنفيذ الفعلي ضعيف، ما يُربك فرص الحماية وتحقيق العدالة للضحايا.
لماذا تُحاصر الفاشر؟
الفاشر تمثل “مفتاح السيطرة على إقليم دارفور”؛ السيطرة عليها تعني التأثير على الإقليم بأكمله – كما جاء في تحليل إخباري.
الصراع في دارفور له جذور قبلية وعرقية، واستراتيجيات القوة تستخدم الحصار كأداة لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية.
توصيات وخاتمة
لوقف مأساة الفاشر وإنقاذ المواطنين المحاصرين، يُنصح بما يلي:
ضرورة فتح ممرّات إنسانية آمنة تحت إشراف دولي لضمان وصول الغذاء والدواء والرعاية للأطفال والنساء وكبار السن.
توثيق الانتهاكات والجرائم بهدف إحالة المتورطين إلى العدالة الدولية أو الوطنية.
دعم المجتمع المدني السوداني والعاملين في الإغاثة لتوفير حماية إضافية وحوار حول الحقوق والحريات.
الضغط الدولي – حكوماتاً ومنظمات حقوق الإنسان – لوقف الصراع في دارفور وضمان احترام القانون الإنساني.
ختاماً، ما يحدث في الفاشر ليس مجرد معاناة محلية بل هو أزمة انسانية ضخمة تنطوي على بعد إنساني، قانوني، سياسي. من واجب المجتمع الدولي والشعوب أن لا تجعل ما يحدث هناك يحدث دون تحرّك حقيقي.






