نادية هارون تكتب:الفاشر .. أشباح وجانّ تُقتل الروح قبل الجسد

ما يحدث في الفاشر أفظع من أن يُفهم بالعقل أو يُحتمل بالقلب، لم يعد الأمر حرباً أو صراعاً على سلطة، بل أصبح انهياراً كاملاً لمعنى الإنسانية، القتل هناك لا يجري من أجل السيطرة فحسب، بل من أجل محو الحياة وتدنيس صورة الإنسان في الإنسان، هناك، تُقتل النساء بلا رجفة، ويُطارد الأطفال وكأنهم فرائس، ويُنحر الشيوخ وكأن العمر الطويل لا يستحق الرأفة، إن ما نراه ليس فعل بشر يمتلكون ضميراً، بل فراغ مظلم يسكُن الأجساد، بلا رحمة، بلا خوف، بلا أثر لما يجعلنا بشراً.
هذا النوع من الرعب ليس جديداً على التاريخ، التتار فعلوا ذلك من قبل، وكانوا يدركون أن إسقاط الروح يسبق إسقاط المدن، لم يكونوا يكتفون بالهزيمة العسكرية، بل كانوا يصنعون الهزيمة النفسية أولاٍ، كانوا يرسلون قصص المجازر قبل أن تصل جيوشهم، فتسمع المدن بما حدث في المدن الأخرى، فينهار أهلها قبل أن يلمسهم السيف، لقد كان الرعب عندهم سلاحاً إستراتيجياً، لا يقل قيمة عن السلاح نفسه، فالمدينة التي تسقط من داخلها لا تحتاج إلى معركة عند أبوابها.
والذي يحدث اليوم في الفاشر يشبه هذا إلى حد الألم، فالأفعال لا تبدو عشوائية، ولا نابعة من فوضى عاطفية أو إنتقام لحظي، بل تُنفَّذ وكأنها جزء من منهج واضح، كأن الهدف ليس قتل الناس فقط، بل قتل قدرتهم على المقاومة، نشر الذعر في كل إتجاه، وترك رسالة مرسومة بالدم تقول: “هذا هو المصير لمن يفكر في الثبات”، إنها عملية ترهيب شاملة، تمتد قبل الطلقات وبعدها، وتهدف إلى كسر الروح قبل كسر الجسد.
ويبقى السؤال الموجع، كيف مات الضمير في هؤلاء؟ كيف يتحول الإنسان إلى آلة قتل لا ترتعش ولا تتردد؟ ليس الأمر ولادة بلا رحمة، بل غالباً إعادة تشكيل متعمدة، هناك تدريب طويل على القسوة، غسيل للوعي، تكرار لخطاب يشيطن الآخر حتى لا يعود يُرى كبشر، وربما- وهذا إحتمال لا يمكن تجاهله- إستخدام لعقاقير أو منشطات تُميت الخوف وتفصل الإنسان عن إحساسه بذاته، كما حدث في جيوش وميليشيات عبر تاريخ الحروب الحديثة، إن من يريد مقاتلاً بلا قلب، يبدأ أولا بقتل القلب داخله، وإماتة الضمير، ومحو الإنسانية، وإطلاق طاقة الشر في أرواحهم، بعد أن دنسوا تقواها.
إن من يرتكبون هذه الفظائع لا يمكن وصفهم بالبشر إلا من حيث الشكل، فهم أجساد تتحرك، ولكن بلا روح، بلا وعي، بلا أثر للمحبة أو الرحمة التي جُبل عليها الإنسان، كأنهم كائنات خرجت من ظلام سحيق، كأنهم وحوش وجانّ في هيئة إنسان، شيء ما تمّ إنتزاعه منهم، أو شيء ما تم زرعه فيهم ليطفئ نور القلب، ويُبقي الجسد يعمل كالآلة، إن الإنسان حين يفقد روحه لا يعود إنساناً، بل يصبح أداة في يد من صنعه، ينتظر إشارة ليقتل، دون أن يسأل لماذا.
الفاشر اليوم لا تُحاصر بالرصاص وحده، بل تُحاصر بمعنى زمن كامل يتغيّر في المنطقة، تُفتح وتُغلق بالرصاص، صارت ساحة لا تميّز فيها بين من يقاتل لأجل السلطة، ومن يحاول فقط البقاء حياً إلى صباح آخر، إنها ليست حرب قبائل كما يحاولون تبسيطها، وليست صراع جنرالَين كما يقول الإعلام، إنها حلقة جديدة في صراع النفوذ على باب إفريقيا، وما كان السودان يوما أرضا تُترك لشعبه يقرر مصيره بسلام، خاصة بعد أن أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح دول، وطرق تجارة، ومشروعات قوة.
الفاشر إذن ليست مجرد مدينة في حرب، إنها نقطة في قلب خريطة أكبر بكثير، ما يحدث فيها اليوم سيصل صداه إلى القاهرة والرياض وأبوظبي، لأن النار التي تشتعل على الأطراف تعرف الطريق إلى الداخل دائما، ومن يقدر على إشعال النار لايمكنه إخمادها، ومن يقترب منها ويظن أنه قادر على توجيهها لا يعلم أن النار لا تعترف إلا بطبيعتها، إنها تحرق فقط.
من يلعب على كل الحبال، يظن أنه يمسك بها جميعا، لكنه لا يرى أن الحبال حين تُشد لا تمسك أحدا، بل، تنقطع، ومن يراهن على قوة غير وطنية اليوم، قد يجد غدا أن هذه القوة لا تعترف إلا بسلاحها ومصالح رجالها، التاريخ لا يحب المراهنات القصيرة، والذاكرة لا تغفر بسهولة.
وفي النهاية أقول: لا يبقى إلا ما يبقى دائما، إن الجنوب ليس مجالا للتجربة، وأن من ينسى وصية المحبة، سيجد نفسه في لحظة يسأل أين الحبل الذي كان يظنه أمانا؟ فلا يجد الحبل إلا صار مِشْنَقَته، والمدن لا تُقتل مرة واحدة، بل تُقتل بالصمت بعد الدم.



