هل تغيّر التكنولوجيا سلوك الإنسان في الدول النامية ؟
التكنولوجيا تأخذنا نحو مواطنٍ مستهلك أم منتج؟

بقلم: أحمد الحسيني
لم تعد التكنولوجيا اليوم رفاهيةً أو مظهراً من مظاهر الحداثة، بل صارت هواءً رقمياً يتنفسه البشر مع كل لحظة يقظة.
لكن هذا الهواء — في العالم النامي — يبدو أحياناً مشوبًا بشيء من التناقض: فبدلاً من أن يكون أداة للتمكين والإنتاج، تحوّل في كثير من الأحيان إلى وسيلة للاستهلاك والارتهان للآخر.
منذ أن فتحت الهواتف الذكية نوافذها على العالم، أصبح الإنسان في المجتمعات النامية يعيش في فيضٍ متواصلٍ من الصور والأفكار والمنتجات التي لم يصنعها بيده، بل استوردها بعقله وذائقته وسلوكه.لقد نجحت التكنولوجيا في تغيير الإيقاع اليومي للناس، لكنها — في الغالب — لم تغيّر بعد نمط تفكيرهم الاقتصادي والاجتماعي.فالمواطن الذي كان يشتري صحيفة بالأمس، صار اليوم يشتري “ترندًا”، والمستهلك الذي كان يبحث عن سلعةٍ مادية، أصبح يستهلك المحتوى، الوقت، وحتى انتباهه نفسه.
التكنولوجيا كمرآةٍ للذات لا كأداةٍ للإنتاج
في الدول المتقدمة، جاءت التكنولوجيا تتويجًا لمسارٍ طويل من التعليم والبحث والتجريب.
كانت ثمرةً لثقافةٍ إنتاجية ترى في المعلومة رأس مالٍ، وفي الإبداع وسيلةَ بقاء.
أما في كثيرٍ من الدول النامية، فقد دخلت التكنولوجيا قبل أن تتهيأ البنية الذهنية والمجتمعية لاستيعابها، فبدت كضيفٍ لامع يسكن بيتاً غير معدّ له.هكذا تحولت المنصات الرقمية من أدوات للابتكار إلى فضاءات للتسلية والاستهلاك؛ نستخدم فيها التقنيات المتقدمة لتكرار أنماطٍ قديمة من السلوك، لا لتجاوزها.
من يتأمل الاقتصاد الرقمي في منطقتنا يدرك أن النسبة الكبرى من النشاط الإلكتروني ما تزال استهلاكية الطابع
منصات التواصل بدل منصات الإنتاج، الإعلانات بدل الابتكار، الشراء عبر الإنترنت بدل التصنيع عبر الإنترنت.وبينما يتجه العالم إلى الذكاء الاصطناعي والصناعات المؤتمتة، ما زالت قطاعات واسعة في دولنا تستخدم التكنولوجيا كـ”ديكور حداثي”، لا كقاطرة للتنمية.
التحول من مستخدم إلى منتج
لكن الصورة ليست قاتمة تمامًا.
فقد بدأت شرائح شابة في العالم العربي والأفريقي والآسيوي تلتقط الخيط.
ظهرت مبادرات ناشئة في التعليم الرقمي، والبرمجة، والمشروعات الصغيرة عبر الإنترنت.
جيلٌ جديد من المبرمجين والمصممين والمبدعين أخذ يستبدل دور المتلقي بدور الفاعل، يدرك أن التكنولوجيا ليست شاشةً للمشاهده، بل أداةٌ يكتب بها مستقبله.
هؤلاء، وإن كانوا بعد في بدايات الطريق، فإنهم يحملون الوعي بأن السيطرة على التكنولوجيا تبدأ من امتلاك المعرفة لا من شراء الأجهزة.
لماذا نتأخر في التحول؟
الجواب، كما يراه المراقب، يكمن في منظومة القيم والتعليم والعمل.
فالتكنولوجيا، في جوهرها، ثقافة قبل أن تكون أداة.
حين يغيب التعليم القائم على التفكير النقدي، وحين نختزل النجاح في المظاهر الاستهلاكية، يصبح من الطبيعي أن تتحول التكنولوجيا إلى مسرحٍ للعرض لا للإنتاج ,هي مرآةٌ تعكس ما بداخلنا، لا عصا سحرية تغيّره.
التحدي العربي والإفريقي
في مصر وسائر العالم العربي، تقف التكنولوجيا اليوم على مفترق طريقين:
إما أن تكون جسرًا إلى التنمية يفتح مسارات للبحث العلمي ،أو تتحول إلى قيدٍ ذهبي يربطنا بأسواق الآخرين، كمستهلكين .
الفرق بين الطريقين ليس في نوع الهاتف أو سرعة الإنترنت، بل في رؤية الدولة والمجتمع للتكنولوجيا: هل هي مشروع وطني، أم وسيلة للوجاهة؟
خاتمة
لقد غيّرت التكنولوجيا شكل الحياة بلا شك، لكنها لم تغيّر بعد جوهرها في العالم النامي.
فالتحول الحقيقي يبدأ حين يتحول المواطن من “مستخدم” إلى “منتِج”، من متفرجٍ على التطور إلى مشاركٍ فيه.
حين ندرك أن الضغط على زرّ ليس فعلًا تكنولوجيًا بقدر ما هو فعلٌ فكري،
وحين نؤمن أن المستقبل ليس سلعه من المتاجر الإلكترونية، بل نبنيه بأيدينا في العقول والمعامل والمدارس —
عندها فقط يمكن أن نقول إن التكنولوجيا غيّرت سلوك الإنسان نحو الإنتاج لا الاستهلاك، ونحو النهضة لا الرفاهية العابرة.






