نادية هارون تكتب:دارفور..ليست منكوبه بل مغدورة

الحرب في دارفور لم تعد صراعاً على سلطة ولا مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى مشروع دموي تمارسه ميليشيا الدعم السريع بلا رادع، وبغطاء وتمويل من أطراف خارجية ترى الإقليم مجرد ساحة نفوذ مفتوحة، لا بشر فيها ولا حياة تستحق الإحترام، ما يجري ليس خطأ حرب ولا تجاوزات جماعة، بل منهج مكتمل الأركان قائم على القتل الجماعي والتهجير والتطهير، وكأن الأرض لا تُفتح إلا فوق جثث أصحابها.
لقد تجاوزت الفظائع مع الصمت الدولي، وتمدّد العنف كلما إشتدت الحاجة لحل سياسي، ثم جاء رفض أحد أطراف القتال—بوقاحة كاملة—لأي وقف لإطلاق النار، ليكشف أن دارفور ليست مجرد خط جبهة، بل مشروع مدعوم بالمال والسلاح، هدفه تفريغ الإقليم من شعبه وتحويله إلى أرض قابلة للحيازة، كأنها أرض بلا تاريخ وبلا وجوه.
ما أعلنته مفوضية اللاجئين عن آلاف المفقودين من الفاشر ليس مجرد خبر، بل وصمة عار في جبين العالم، آلاف إختفوا، آلاف ضاعوا، وآلاف سقطوا ضحايا في مسارات هروب لا يعرفها أحد، كل ذلك يحدث بينما الدعم السريع يواصل حرق المدن، وإبتلاع القرى، ومحو ما تبقى من نسيج إجتماعي عاش عقوداً من الألم ولم يعرف يوما السلام الكامل.
وإذا كان البعض يحاول تزيين الصورة بإدعاء أن الهدف هو السيطرة على الموارد، فإن الحقيقة أكثر قسوة، فالميليشيا التي تقتل النساء والأطفال وتحرق البيوت لا تفكر في التنمية ولا المشروعات، بل في السيطرة العارية، وفي نهب الذهب والمعابر والثروات، تماما كما فعلت ميليشيات أخرى في أفريقيا حين أفرغت الأرض من سكانها ثم جلبت عمالة مستوردة وشركات أجنبية لتسرق خيرات البلاد تحت حراسة السلاح، الموارد هنا لا تحتاج شعباً، بل، تحتاج إلى قاتل يفرض نفسه بقوة الدم.
لكن الأخطر من كل ذلك أن أي دولة أو شركة تفكر مستقبلاً في الدخول للاستثمار في دارفور—تحت سلطة الواقع المفروض بالسلاح—ستكون شريكة مباشرة في جرائم الدعم السريع، أي مشروع سيُقام فوق أرض طُهّرت بالنار، هو مشروع ملوث بدماء الأبرياء، أي عقد يُوقَّع في إقليم شُرّد أهله بالقوة هو وثيقة إدانة للدولة أو الكيان الذي يوقعه، وكل من يمدّ الميليشيا بالمال أو السلاح، أو يتستّر وراء إستثمارات تنموية، سيكون جزءاً من ماكينة القتل، ومسؤولاً أمام التاريخ عن كل جثة دُفنت في العراء، وكل أسرة شُتِّتَت، وكل طفل إختفى.
إن ما يحدث في دارفور ليس صراعاً محلياً، بل جريمة سياسية وإقتصادية وإنسانية تَشارك فيها أطراف داخلية وأخرى خارجية تعرف نفسها جيداً، وتعرف أن كل طلقة وكل نار وكل نهر من الدم لم يكن ليجري لولا دعمها، ولن يكون تحرير الإقليم أو إستعادته مجرد معركة عسكرية، بل معركة أخلاقية في مواجهة عالم إعتاد مشاهدة المأساة دون أن يرف له جفن.
دارفور اليوم ليست أرضاً منكوبة، بل، أرضاً مغدورة، ومن يظن أنه سيحصد ثرواتها فوق صراخ أهلها سيكتشف أن التاريخ لا ينسى، وأن دم الأبرياء يطارد كل من وضع قدمه فوق أرض لم يطهِرها إلا الموت.
في النهاية أقول: أن ما يرتكبه الدعم السريع وكل من يمدّه بالمال والسلاح، يضعهم في مواجهة كلمة الله، لا كلمة البشر: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ هذه الآية ليست مجرد وعيد، بل، هي إعلان إلهي بأن كل ظالم، وكل قاتل، وكل مموّل سال دم الأبرياء بسببه، يمشي الآن إلى يوم لا يستطيع فيه الهرب ولا الإختباء.



