نادية هارون تكتب:عندما يتآلف زمن الزيف مع زيف القلوب

في هذا الزمن الذي تبدّلت فيه الملامح حين سقطت الأقنعة، وتغيّرت فيه القيم حين إختفت كثير من المعاني التي كانت تمنح العلاقات الإنسانية جمالها، وتحوّلت إلى مجرد كلمات خاوية من معناها، الصداقة والعِشرة والوفاء ألفاظ تُقال دون أن تحمل أثرها القديم، العيش والملح لم يعد عهدا، ولا الأيام التي تجمع الناس ضمانا لبقاء الودّ، وأضحت المشاهد والأخلاقيات والعادات والتقاليد مجرد بقايا من زمن صافٍ رحل، وبقيت كلماته بلا روح.

في الصين سُئِل من هو الصديق؟ قيل: الصديق هو من إذا جئته فأخبرته بأنك قتلت قتيلا، ذهب معك ليخفي الجثة ويتخلّص من آثارها، وبعد أن تهدأ، يسألك: من هذا؟ ولماذا قتلته؟، وهي حكمة لا تمجّد الخطأ، وإنما تحمل تصويرا بليغا لمعنى الولاء، وأن الصديق الحقّ هو الذي يثبت إلى جانبك في أشدّ لحظاتك ضعفا، ويؤمّن ظَهرَكَ قبل أن يسألك أو يلومك، ثم يناقشك حين يطمئن إلى أنك خرجت من محنتك، إنها صورة مجازية تجسّد عمق الثقة وقوة الرابطة التي تجمع القلوب الصافية.

أما في وجداننا، أو كان في وجداننا نحن العرب، فقد كانت الصداقة مقاما رفيعا يختلط بالأخوّة وينعقد على الوفاء والستر والصدق، كان الصديق مرآة لصاحبه، وحافظا لسره، ناصرا له في معاركه، لا يتركه عند الشدائد ولا يتركه للظنون، وكانت العِشرة والعيش والملح وعدا بالأمان، والوفاء أساسا لا تهدمه الأيام، وكانت القلوب تُقيم روابطها على صفاء النية لا على منافع العابرين.

غير أن هذه المعاني تراجعت في عصر تمزّقت فيه الروابط وتقلّبت فيه النفوس، أصبحت الصداقة عند كثيرين علاقة هشّة، وغدت المودّة مشروطة، والمواقف مُقاسة بميزان المنفعه، وامتلأت العلاقات بوجوه كنا نراها بقلوبنا وكأنها واضحة، حتى جاءت لحظة الاختبار التي كشفت هشاشتها.

ومن سوّدَت الغيرة والحسد قلوبهم لم يكونوا يوما أصدقاء حقيقيين، فالقلب الذي يتأذّى لخير يُصِيبَك لا يعرف معنى الودّ، والنفس التي تَضِيق بنجاحك لا تستطيع حمل اسم الصداقة، هؤلاء لم يتغيّروا، بل ظهر ما كان مستترا خلف الأقنعة، فالغيرة تُطفئ المودّة، والحسد يقتلع الجذور، ولا تبقى بعدهما إلا قشرة من علاقة لا تحتمل نعمة ولا خطوة نحو النور.

ومع ذلك، يبقى في الدنيا بعض نفر يُثبتون أن الصداقة الحقيقية لا تزال ممكنة، أولئك الذين يفرحون لفرحك، ويألمون لوجعك، ويقفون إلى جانبك بلا مصلحة ولا انتظار مقابل، وجودهم برهان على أن القيم لا تموت، بل قد تتوارى مع الزحام، أو حين يكثر الضجيج، ثم تعود لتظهر في القلوب التي لم تُفسدها الأيام.

وفي النهاية أقول: وكما قالوا قديما “إن البلاء مُمحِّصٌ، يُظهر جوهر كل نفس، فيُبقي الصادقين، ويُسقط المتلوّنين”، وإذا قلنا أنه زمن الزيف فعلينا أن نعترف بأنه يتآلف مع زيف القلوب، فانكشاف هؤلاء — مهما كان مؤلما — هو في الحقيقة نعمة، لأنه يُبعدك عن قلوب لا تتمنى لك خيرا، ويقرّبك من نفوس أصيلة تعرف معنى الودّ والصفاء.
وكما قال المتنبي: إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ فلا تقنعْ بمـا دونَ النجومِ
وابتعدْ عن من كـان فيك حـسدا ولا يفرحُ إلا بزوالِ النـجومِ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى