التعليم كالماء والهواء… فهل صار يُباع في زجاجات؟
«التعليم كالماء والهواء» — طه حسين

قالها عميد الأدب العربي منذ قرنٍ تقريباً، وهو يدافع عن التعليم بوصفه حقًّا عامًا لا امتيازًا خاصًا. يومها كانت مصر تخوض معركة محو الأمية، وتكافح لتفتح أبواب المدارس أمام الفقراء. واليوم، بعد أن امتلأت شوارع القاهرة والجيزة والإسكندرية بلافتات الجامعات الخاصة، نعيد طرح السؤال القديم في سياق جديد: هل ظلَّ التعليم في بلادنا ماءً وهواءً؟ أم صار سلعةً تُعبّأ في زجاجات أنيقة، لا يقدر على شرائها إلا القادرون؟
على مدى عقدين، تضاعف عدد الجامعات الخاصة في مصر. فقد خرجت إلى الوجود كبديل «مرن» للجامعات الحكومية المكتظّة، تحمل وعودًا بالجودة والانفتاح على العالم وسوق العمل. واليوم، تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد خريجي الجامعات الخاصة والأهلية في عام 2023 بلغ نحو 43.6 ألف خريج، أي ما يقارب 6% من إجمالي خريجي التعليم العالي. بينما جاءت المعاهد العليا الخاصة بنسبة أكبر بلغت حوالي 16% من إجمالي الخريجين.
لكن الأرقام، وإن كانت تُضيء الطريق، لا تكفي وحدها للحكم على جودة التجربة. فالمسألة ليست كمًّا فقط، بل كيفًا أيضًا. ما نوع الخريج الذي تقدّمه تلك المؤسسات؟ وما موقعه في سوق العمل؟ وهل حققت الجامعات الخاصة وعدها برفع جودة التعليم المصري، أم أنها ساهمت في «تسليع» المعرفة وتوسيع الفجوة الطبقية في فرص التعلم؟
هواء نظيف أم ملوّث؟
ينقسم المشهد الجامعي المصري اليوم بين نظام حكومي عريق يرزح تحت وطأة البيروقراطية والاكتظاظ، ونظام خاص حديث نسبياً يرفع شعار التميز والانفتاح. بعض الجامعات الخاصة أنشأت شراكات مع مؤسسات دولية مرموقة، واستقدمت أساتذة وخبراء من الخارج، وأدخلت مناهج حديثة في مجالات التكنولوجيا وريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، لا تخلو الصورة من شوائب. فهناك جامعات اكتفت بتجميل مبانيها ورفع رسومها، دون أن تُحدِث قفزة حقيقية في جودة التعليم أو في تدريب أعضاء هيئة التدريس. بعض التقارير البحثية التي أصدرتها منظمات العمل الدولية ومراكز مصرية أشارت إلى أن نسبة توظيف خريجي الجامعات الخاصة لا تتفوّق كثيرًا على خريجي الجامعات الحكومية عندما نحكم العوامل الأخرى، مثل التخصص أو الوضع الاجتماعي أو الخبرة الميدانية.
تلك المفارقة تفتح باب السؤال: هل المشكلة في نوع الجامعة أم في طبيعة السوق نفسه؟
سوق العمل.. المعيار الحقيقي للجودة
في مصر اليوم، تتكدس آلاف الشهادات على رفوف البيوت بينما يتضاءل عدد الفرص. البطالة بين الشباب الجامعيين، وفق بيانات «الإحصاء» لعام 2023، ما تزال تدور حول 15–17%، مع فروق بين الذكور والإناث وبين المدن والأقاليم. لكن اللافت أن نسبة من هؤلاء الخريجين يعملون في وظائف لا تمتّ بصلة إلى تخصصاتهم — من خدمة العملاء إلى التسويق والمبيعات وحتى الأعمال اليدوية البسيطة.
إحدى الدراسات التي أجراها منتدى البحوث الاقتصادية أشارت إلى أن عائد التعليم في مصر (أي الأجر الذي يجنيه المتعلم مقارنة بغير المتعلم) تراجع في العقد الأخير، وهو مؤشر مقلق يدل على أن السوق لم يعد يقيّم الشهادات بقدر ما يقيّم المهارات. هنا بالضبط تنكشف الفجوة: التعليم الجامعي — سواء كان حكومياً أو خاصاً — لم ينجح بعد في ترجمة المعرفة إلى مهارة قابلة للتوظيف.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض الجامعات الخاصة حققت قصص نجاح حقيقية. فبرامجها في تكنولوجيا المعلومات والإدارة واللغات، وتواصلها مع شركات القطاع الخاص، ساهمت في تحسين فرص خريجيها. في حين ما زالت كليات حكومية كثيرة تدرّس مناهج تعود إلى التسعينيات. المشكلة ليست في «الخاص» ككيان، بل في تفاوت معايير الجودة، وغياب الرقابة الشفافة التي تُظهر للناس أي جامعة تُخرّج عقولا فاعلة وأيها تبيع شهادات مغلّفة.
التعليم… من الحق إلى الامتياز
حين تتحوّل الجامعة إلى مشروع استثماري، يُخشى أن يصبح التعليم رفاهيةً. رسوم بعض الجامعات الخاصة اليوم تتجاوز 150 ألف جنيه سنوياً، أي ما يفوق متوسط الدخل السنوي لأسرة مصرية من الطبقة الوسطى. ذلك يعني أن الطريق إلى «الماء والهواء» بات يمرّ عبر بوابة مالية لا يملك مفتاحها الجميع.
في المقابل، تعاني الجامعات الحكومية من نقص التمويل، واكتظاظ القاعات، وضعف التدريب العملي. المفارقة أن مصر تمتلك ثروة بشرية هائلة — أكثر من 3.5 مليون طالب جامعي — لكنها لا تملك حتى الآن منظومة متكاملة تضمن المساواة في جودة التعليم وفرصه.
تبدو الصورة كأننا أمام «سوقين» للتعليم: سوقٌ للقدرة، وسوقٌ للحاجة. الأولى خاصة، مصقولة المظهر، لكنها محدودة الوصول؛ والثانية عامة، مفتوحة للجميع لكنها مثقلة بالأعباء. وبينهما يقف الطالب المصري، يلهث وراء مستقبلٍ يشبه طموحه.
نحو تعليم يُعيد للهواء نقاءه
ليس المطلوب شيطنة الجامعات الخاصة، ولا تمجيد الحكومية. المطلوب أن ندرك أن التعليم الجيد لا يُشترى، بل يُبنى.
يجب أن تكون هناك هيئة رقابة و ضمان جودة تُعلن بشفافية نتائج توظيف الخريجين ونسب رضا أصحاب الأعمال، وأن تُلزم كل جامعة — حكومية أو خاصة — بتقديم برامج تدريب عملي حقيقي، وشراكات مع القطاعات الصناعية والتكنولوجية، ونظام تقييم يعتمد على التفكير النقدي لا على الحفظ والاستظهار.
وحتى يتحقق ذلك، سيظل السؤال مفتوحاً: هل نجحنا في أن نجعل التعليم «كالماء والهواء» — متاحاً للجميع، صافياً، حياً، مغذياً — أم تركناه يُباع في زجاجات باهظة الثمن، تحمل أسماء أجنبية براقة، ولكنها تروي عطش القليلين فقط؟
إن مستقبل مصر لن يُقاس بعدد الجامعات التي تُبنى، بل بنوعية العقول التي تُخرّجها تلك الجامعات. فالماء لا قيمة له إن لم يكن صالحاً للشرب، والهواء لا حياة فيه إن لم يكن نقيّاً. وكذلك التعليم… لا نهضة فيه إن لم يكن مجانياً في روحه، عادلاً في فرصه، صادقاً في غايته.






