أخر الأخبار

صوم أيزي  رحلة الإيمان والصفاء في الروح الأيزيدية  حيدر الأداني

صوم أيزي

رحلة الإيمان والصفاء في الروح الأيزيدية

 

حيدر الأداني

 

الديانة الأيزيدية واحدة من أعرق الديانات التي تضرب جذورها في عمق حضارات بلاد الرافدين .

ورغم ما بذله الباحثون من جهود كبيرة على مر السنين ، لا يزال من الصعب تحديد اللحظة التاريخية الأولى لظهور هذه الديانة ، إذ يمتد تاريخها إلى عصور سحيقة .

تعرض الشعب الأيزيدي عبر الزمن لسلسلة طويلة من حملات الإبادة والتهجير التي استهدفتهم لطمس هويتهم وإلغاء ملامح خصوصيتهم الثقافية والدينية .

 

منذ القدم آمن الأيزيديين بإله الشمس خوداني رۆژي ، لذلك يعرفون بأبناء الشمس .

يتجه الأيزيدية في دعائهم نحو نور الشمس ، ويعتبرونها رمز الخير والطهارة والصفاء الروحي .

تؤكد نصوصهم الدينية على ضرورة الدعاء بالخير للبشرية جمعاء قبل الدعاء للنفس ، وهي قيمة إنسانية راسخة في جميع طبقات المجتمع الإيزيدي .

 

الصوم في الديانة الإيزيدية

 

للأيزيديين نوعان رئيسيان من الصيام ، يحمل كل منهما قدسيته الخاصة وطقوسه الروحانية :

 

أولاً : صوم أيزي ( صوم سلطان أيزي )

 

وهو الفريضة الأهم والأعم بين الإيزيديين .

يصومه جميع أفراد المجتمع على اختلاف طبقاتهم الدينية والاجتماعية .

يمتد هذا الصيام ثلاثة أيام في منتصف شهر كانون الأول / ديسمبر من كل عام ويبدأ دائماً يوم الثلاثاء وينتهي صباح الجمعة ، حيث يحتفل الأيزيديين بـ ” عيد أيزي ” الذي يعد من أقدس أعيادهم .

 

يسبق صوم أيزي عادة ما يعرف بـ ” صيام الخودانات ” وهو صوم اختياري يقوم به الفرد للتبرك وطلب الخير والقبول الإلهي ولا يعد واجباً على الجميع .

 

عيد أيزي نفسه يعد عيد النور والرحمة وهو المناسبة التي يعتقد فيها أن بركة الخالق تنزل فيها على الأرض ولذلك يستحب الإكثار من الدعاء والأعمال الصالحة خلال أيام الصوم .

 

ثانياً : صوم أربعينية الشتاء والصيف

 

وهو صوم خاص برجال الدين فقط ويعد من أقدم العبادات الأيزيدية المرتبطة بالزهد والتأمل والصفاء الروحي .

يصوم رجال الدين أربعين يوماً في الصيف وأربعين يوماً في الشتاء وينظر إليه باعتباره مدرسة للتهذيب الروحي والتقرب من الخالق .

 

طقوس الصوم الأيزيدي

 

يعد الصوم عند الأيزيديين حالة روحية متكاملة تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب .

إذ يبدأ الصائم يومه بالسحور بين الثالثة والنصف والرابعة فجراً ، ثم يمتنع عن الطعام والشراب حتى غروب الشمس . وبعد الدعاء يتناول الإفطار الذي يكون في الغالب بسيطاً وهادئاً بعيداً عن المبالغة .

 

ومن الطقوس المميزة في الصيام أن يرتدي الأيزيدي التوك وهو ثوب أبيض قصير ذو ياقة دائرية يعد رمزاً للنقاء الداخلي ويرتديه الفرد تحت ملابسه خلال أيام الصوم .

 

تعرف فترة الصيام بروحانية خاصة تعزز قيم التكافل والمحبة بين أبناء المجتمع ومن أبرز العادات التي تميزها :

 

جمع التبرعات للعوائل المتعففة قبل بدء الصيام في تجسيد حي لمعاني الإيثار .

 

تبادل الطعام بين الجيران ، حيث ترسل ربة المنزل جزءاً من طعامها إلى بيوت الجيران تعبيراً عن الاحترام وتقوية الروابط الاجتماعية إضافة إلى أنها عادة تؤدى ” وفاءً لأرواح موتى العائلة ” .

 

الإكثار من التسامح والابتعاد عن الأذى وتنقية القلب من الضغينة وهو جوهر الصوم الأيزيدي وروحه العميقة .

 

عيد أيزي .. فرح النور والبركة

 

في صباح عيد أيزي تتوجه العائلات إلى زيارة قبور أحبّتها يحملون معهم الدعاء والرحمة . وتعم أجواء الفرح البيوت الإيزيدية ويخرج الأطفال بملابسهم الجميلة يطرقون أبواب الأقارب والجيران للحصول على حلوى العيد في طقس مليء بالبراءة والمودة .

تظل الديانة الأيزيدية بطقوسها الغنية وروحانياتها العميقة شاهداً حياً على عراقة حضارات بلاد الرافدين .

يعكس الصوم فيها منظومة قيم سامية تقوم على الخير والتسامح والمحبة مما يجعلها جزءاً أصيلاً من التراث الروحي للمنطقة ورمزاً لهوية شعب حافظ على إيمانه ونوره رغم العواصف التي مرت به عبر التاريخ .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى