أسماء فهمي.. رائدة تعليم الفتيات في مصر الحديثة

رانيا البدرى

في زمن كانت فيه أصوات النساء خافتة، وحقوقهنّ مقيدة بقيود العادات والتقاليد، ظهرت أسماء فهمي لتكسر هذه القيود، وتكتب اسمها بحروف من نور في سجل النضال النسوي والتعليمي بمصر.

لم تكن مجرد سيدة تنتمي إلى طبقة أرستقراطية، بل كانت مثالًا للسيدة المثقفة المناضلة، التي سخّرت علمها ووعيها الاجتماعي لخدمة قضايا وطنية سامية، على رأسها تعليم البنات وحق المرأة في الانتخاب والمشاركة السياسية.

بدأت رحلتها من السودان، حيث نشأت في كنف والد عسكري، وتفتحت عيناها على قيم الواجب والانضباط، ثم عبرت المحيطات لتنهل من منابع العلم في لندن، فعادت إلى مصر بفكر تقدمي، ورؤية متكاملة لتغيير واقع المرأة.

ولدت أسماء فهمي في عائلة أرستقراطية مصرية، وكان والدها حسن بك فهمي ضابطًا بارزًا في الجيش المصري ـ السوداني، يتولى قيادة أحد الألوية في جنوب وادي النيل. نشأت أسماء في السودان، حيث كانت عائلتها تقيم أثناء خدمة والدها هناك، وهو ما أتاح لها فرصة الاطلاع على ثقافات متنوعة، وغرس فيها منذ الصغر قيم الانضباط، والكرامة، والاعتزاز بالهوية الوطنية.

لم تكن نشأتها المرفّهة عائقًا أمام طموحها العلمي والفكري، بل شكلت لها قاعدة صلبة للانطلاق نحو آفاق أبعد، مستفيدة من تعليمها المتقدم وانتمائها لبيئة تشجع الفتاة على أن تكون فاعلة ومثقفة.

تزوجت أسماء فهمي من شخصية سياسية بارزة، هو محمد رفعت باشا، وزير المعارف (التعليم) في الفترة التي سبقت ثورة يوليو 1952. كان لهذا الارتباط أثر كبير في إدخالها إلى دوائر صنع القرار، لكنه لم يكن السبب الوحيد في انخراطها في العمل العام، بل جاء مكملًا لطموحها الشخصي وإيمانها العميق بقضايا المرأة والتعليم. ولم تكن أسماء مجرد زوجة لمسؤول سياسي، بل كانت شريكًا فكريًا وثقافيًا، لها رؤيتها الخاصة، وقدرتها على التأثير في محيطها، سواء من خلال عملها المؤسسي أو نشاطها الاجتماعي والسياسي.

في عام 1925م، التحقت أسماء فهمي بالجامعة المصرية، وهي من أوائل الفتيات المصريات اللاتي حصلن على هذا الشرف. وقد تمت رعايتها أكاديميًا من قبل عميد الأدب العربي طه حسين، أحد أبرز دعاة التعليم للجميع في ذلك الوقت، بينما كان زكي مبارك، الكاتب المعروف، من زملائها في الجامعة.

تميزت أسماء بنشاطها الأكاديمي، وإصرارها على التميز، مما مهد لحصولها على منحة دراسية إلى إنجلترا، وهناك التحقت بجامعة لندن، وحصلت على ليسانس في التاريخ، ثم تابعت دراستها العليا لتنال ماجستير في علم النفس التعليمي عام 1937م، وهو تخصص نادر آنذاك، يؤكد وعيها المبكر بأهمية الربط بين التعليم والتكوين النفسي والاجتماعي للطفل والفتاة.

وقد تركت تلك المرحلة الدراسية في الغرب أثرًا عميقًا في شخصيتها، إذ اكتسبت أدوات التفكير النقدي، واطلعت على تجارب تعليم النساء في أوروبا، ما عزز قناعتها بضرورة تطوير التعليم في مصر ليشمل الفتيات بشكل عادل ومتكافئ. عادت أسماء فهمي إلى مصر وهي تحمل حلمًا كبيرًا: أن يكون للفتيات المصريات الحق الكامل في التعلم، والوصول إلى أعلى المراتب الأكاديمية. لم تكتف بالتدريس أو الخطابات النظرية، بل قدمت نموذجًا عمليًا حين تبرعت بقطعة أرض من أملاكها الخاصة لإنشاء “كلية البنات الجامعية”، التابعة لجامعة عين شمس، وذلك لتشجيع الأسر المحافظة على إرسال بناتهم لتلقي التعليم الجامعي في بيئة تحترم تقاليد المجتمع.واعترافًا بفضلها، أُطلق اسمها على الشارع الذي تقع فيه الكلية، تخليدًا لعطائها وتقديرًا لرسالتها.

كما كانت أول سيدة مصرية تُعيّن عضوًا في مجلس إدارة جامعة عين شمس، وهو إنجاز غير مسبوق في ذلك العصر، يدل على ثقة المؤسسة الأكاديمية في كفاءتها وقدرتها على المساهمة في وضع السياسات التعليمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى