«سليمان بك نجيب».. النُبل الذي سكن قلب فنان ورحل معه

رانيا البدرى
في زمنٍ يتبدل فيه الوفاء وتتقلب فيه القلوب، تطل علينا حكاية نادرة لرجل نبيل من طراز خاص، لم يترك خلفه فقط إرثًا فنيًا وإداريًا، بل ترك مدرسة في الكرم والإنسانية والوفاء لمن حوله، حتى بعد الرحيل.
إنها سيرة سليمان بك نجيب، أول مدير مصري لدار الأوبرا المصرية، والفنان الذي عاش فارسًا نبيلاً ومات كما عاش… في صمتٍ مهيب وأثر لا يُنسى.
عند وافته المنية، كان شقيقه خارج مصر، فأوكل أمر جنازته لصديق مقرب على أن يُسدد له كل التكاليف لاحقًا. وحقًا، عاد الأخ وبدأ بمحاسبة الصديق وفقًا للفواتير… فكانت المفاجأة أن المبلغ المطلوب كان 299 جنيهًا وقرشًا واحدًا. وقبل أن يمد يده لدفتر الشيكات، نطق أحد الخدم وقال: “سليمان بيه كان شايل فلوس في الدولاب علشان مصاريف جنازته!” فتح الأخ الدولاب وبدأ في العد… المبلغ كان تمامًا 299 جنيهًا وقرشًا واحدًا.
ذُهل الجميع، وأعادوا العد مرارًا، وقارنوا الفواتير مجددًا، لكن الحقيقة واحدة… رجلٌ خطط لكل شيء، حتى بعد موته.. تقسيم ثروته بكرم من لا يخشى الفقر
فتحت العائلة وصيته فوجدوا ما يؤكد نُبله: وهب سيارته للسائق… المطبخ وغرفة السفرة للطباخ… وباقي أثاث المنزل لدار الأوبرا المصرية التي ترأسها.
لم يتزوج سليمان بك نجيب، لكنه لم يعش وحيدًا. فقد احتضن أبناء خادمته وكأنهم أولاده، رعاهم وربّاهم، وصرف على تعليمهم حتى شبّوا رجالاً.
وعندما توفيت “الدادة” التي ربته، رفضت العائلة دفنها إلى جوار والدته، بدعوى أنها “خادمة”! لكن من منفاه المؤقت خارج البلاد، سمع الخبر، وأجاب بكلمة حُفرت في الذاكرة:”تدفن مع أمي طبعًا… هو فيه بيه وباشا في الموت؟ دي كلها نومة واحدة!”
عرف من الطباخ أن مسجداً في بلد العاملين معه تعطل بناؤه بسبب نقص في التمويل، فسارع بالدفع من ماله الخاص، بل وتوسط لدى وزارة الأوقاف حتى حصل على إعانة قدرها 386 جنيهًا لإكمال البناء.
من شدة ثقته بهم، كانت الخدم يعيشون في البيت كأنهم أصحابه. يأكلون من طعامه، يملكون نسخًا من المفاتيح، يدخلون ويخرجون بحرية تامة. وإن غضب منهم يومًا، لم يكن يطردهم، بل يخرج هو، ويقول:
“أنا خارج وسايب لكم البيت… ولما أرجع أقولكم أنا راجع، ممكن أدخل؟”
مات سليمان بك نجيب، لكنه لم يغب. بقيت قصصه تُروى، وعِبره تُحكى، ووصاياه تُتداول على أنها دروس في الإنسانية والكرم والنبل. في زمنٍ أصبح الوفاء فيه عملة نادرة، تظل حكاية هذا الرجل نبراسًا يهدي القلوب، وعبرة لكل من يظن أن المجد في السلطان أو المال… المجد في الإنسان.



