الملكة نازلي .. سيدة القصر التي نفاها القدر ومزقها الحنين

رانيا البدرى
في يوم، 29 مايو من عام 1978، أسدل الستار على حياة واحدة من أكثر نساء العصر الملكي المصري إثارة للجدل، وأكثرهن حضورًا في ذاكرة التاريخ. الملكة نازلي صبري، زوجة الملك فؤاد الأول، وأم الملك فاروق، آخر ملوك مصر، لم تكن مجرد ملكة جلست على عرش القصر، بل كانت نموذجًا فريدًا للمرأة القوية المتحررة، التي خاضت معارك الحب والسياسة، وتلقت في المقابل صدمات القدر بلا هوادة.
قضت نازلي سنوات عزها الأولى في قلب الحكم، سيدة القصر وسيدة مصر الأولى، ثم انتهت بها الأيام منفية في ركن بعيد من العالم، تحمل في قلبها أوجاع وطن غادرته، وأحباب تخلّوا عنها، ومأساة شخصية هزّت كيانها إلى الأبد. من الإسكندرية إلى لوس أنجلوس، من عرش مصر إلى مقبرة “السماء المقدسة”، تمتد قصة نازلي كصفحة إنسانية موجعة تستحق التأمل.
في هذا التقرير الممتد، نعيد استحضار ملامح تلك السيدة الملكية، من النشأة الراقية، إلى الحياة داخل القصر، حتى لحظات الانكسار في المنفى، لنرسم صورة مكتملة لامرأة شكّلت جزءًا محوريًا من تاريخ مصر الملكي.
ولدت نازلي عبد الرحمن صبري يوم 25 يونيو عام 1894 في مدينة الإسكندرية، لعائلة من صفوة المجتمع المصري ذات أصول تركية ومغربية. والدها، عبد الرحمن صبري باشا، كان وزيرًا للزراعة، أما والدتها، توفيقة هانم، فكانت حفيدة محمد شريف باشا، أحد أبرز رؤساء وزراء مصر ومهندس الدستور المصري، وجدها لأمها هو سليمان باشا الفرنساوي، القائد الفرنسي الذي اختار أن يبقى في مصر ويُسلم، ليُسهم في بناء الجيش المصري الحديث. تلقت نازلي تعليمها في المدارس الفرنسية بالقاهرة، ودرست الموسيقى في الكونسرفتوار، مما منحها ثقافة راقية ولغة فرنسية وإنجليزية طليقة، بالإضافة إلى العربية. هذا المزيج من الجمال، والتعليم، والنسب الرفيع، أهّلها لأن تصبح نجمة مجتمع النخبة في مطلع القرن العشرين.
في عام 1919، وقع اختيار السلطان فؤاد الأول على نازلي لتكون زوجته، رغم فارق السن الكبير بينهما. تم عقد القران رسميًا في 26 مايو من نفس العام، وكان عمرها حينذاك نحو 25 عامًا، بينما كان السلطان فؤاد في الخمسينات من عمره.
في 11 فبراير 1920، رزقت بابنها الأول وولي العهد المنتظر، الأمير فاروق، الذي أصبح لاحقًا ملك مصر. ثم أنجبت بعده أربع أميرات هن: فوزية، فايزة، فائقة، وفتحية.ورغم الحياة الفارهة التي عاشتها نازلي داخل القصر الملكي، فإن علاقتها بزوجها لم تكن مثالية. إذ عُرف الملك فؤاد بشخصيته الصارمة وسلوكه المتحكم، مما جعل نازلي تعيش في ظل قيود شديدة، وتحت رقابة مستمرة أثرت سلبًا على حياتها الشخصية.
بعد وفاة الملك فؤاد في أبريل 1936، أصبحت نازلي “الملكة الأم”، ووجدت نفسها في موقع جديد ذي رمزية كبيرة، لكن سلطته الحقيقية كانت محدودة، خاصة بعد أن تولّى ابنها فاروق الحكم.
في السنوات الأولى من حكم فاروق، مارست نازلي بعض التأثير السياسي والاجتماعي، لكنها سرعان ما بدأت في الابتعاد عن الأضواء تدريجيًا، ربما بسبب تصاعد الخلافات العائلية، وربما أيضًا لرغبتها في التحرر من القصر الذي كان يومًا سجنًا ذهبيًا لها.
في أربعينات القرن الماضي، قررت الملكة نازلي السفر إلى الولايات المتحدة بحجة العلاج من مرض الكلى، لكنها لم تعد إلى مصر أبدًا. كانت تلك لحظة فاصلة في حياتها، بدأت فيها رحلة منفى طويلة وموجعة استمرت لأكثر من 30 عامًا.أسوأ فصول المنفى جاء حين قررت ابنتها الصغرى، الأميرة فتحية، الزواج من رياض غالي، وهو موظف مسيحي عمل سابقًا في القنصلية المصرية، وكان مقربًا من الأسرة الملكية. لم توافق العائلة على هذا الزواج، واعتبره الملك فاروق تحديًا مباشرًا للعادات والتقاليد الملكية.نتيجة لذلك، صدر قرار ملكي بتجريد نازلي وفتحية من ألقابهما الملكية في عام 1950، وهو القرار الذي شكل طعنة قاسية للملكة التي كانت حتى وقت قريب سيدة مصر الأولى.
في أمريكا، تحولت حياة نازلي إلى سلسلة من الخيبات والآلام. اضطرت إلى بيع مجوهراتها وممتلكاتها الثمينة لتوفير مصاريف المعيشة والعلاج. ومع مرور الوقت، دخلت في ضائقة مالية خانقة، وصلت إلى حد إعلان إفلاسها رسميًا. عاشت في شقة بسيطة في لوس أنجلوس، بعيدًا عن كل ما عرفته من رفاهية، تشاهد العالم ينسى اسمها ومجدها، وتراقب الوطن من خلف شاشات التلفاز.
في عام 1976، وقعت الكارثة التي أنهت ما تبقى من الروح في جسد نازلي. إذ أقدم رياض غالي، زوج ابنتها، على قتل فتحية بإطلاق الرصاص عليها أمام عينَي نازلي، ثم حاول الانتحار. الحادث المروع وقع في شقتها بلوس أنجلوس، وكان بمثابة الزلزال الذي دمر كل ما تبقى من قلب الملكة الأم. بعد مقتل ابنتها، دخلت نازلي في عزلة تامة، وامتنع عنها الأصدقاء، ولم يتبقَ سوى الذكريات المؤلمة.
توفيت الملكة نازلي في 29 مايو 1978، عن عمر يناهز 83 عامًا، بعد أن قضت العقود الأخيرة من عمرها في عزلة وحزن ومأساة. دُفنت في مقبرة “السماء المقدسة” في كاليفورنيا، إلى جوار ابنتها فتحية.
لم تُدفن في أرض الوطن الذي كانت يومًا ملكته الأولى، ولم تُشيّع بجنازة رسمية، بل كانت وفاتها صامتة، مثل صمت السنوات التي قضتها في المنفى.



