الأحكام المسبقة … مقصلة صامتة تفتك بالتربية

الزهرة العناق

 

إن التعليم رسالة سامية و نبيلة تحمل بين طياتها أعظم أمانة و هي صناعة إنسان. لذا، لكل من حمل لقب المربي:

احذروا أن تظلموا أمانة بين أيديكم، فالتلميذ ليس ورقة من الماضي تقرأ في ثوان، بل روح تبحث عن من يؤمن بها. التلميذ ليس سجينا لماضيه، بل مشروع إنسان يتشكل و يتغير.

فمن ظننتموه مشاغبا اليوم ممكن أن يصبح عالما بارزا أو قائدا نبيلا غدا، ومن و صفتموه بالفاشل قد يتحول إلى أيقونة من أيقونات الإبداع حين يجد من يحتويه و يحضنه، الحياة لا تعرف التبات و القلوب و العقول تتغير كالفصول.

إن الأحكام المسبقة جدار كثيف يحجب نور التربية، و مقصلة صامتة تسقط رؤوس المعنويات قبل أن يشتد عودها. حين تقول عن تلميذ إنه فوضوي أو لا يرجى منه خير و لا يمكن أن يتغير، فإنك لا تصفه فقط، بل تحكم على مستقبله بالإعدام، و تزرع في داخله قناعة سوداء أنه لا يستحق أن يكون أفضل

يا من تملكون مفاتيح القسم: تذكروا أن كل إنسان يولد بفرص متجددة، و أن الحياة ليست نهراً يسير في اتجاه واحد، بل هي أمواج تتبدل و صروف تتغير. فكم من تلميذ طرد من الأقسام لأن أستاذه آمن بحكايات عنه، ثم وجد معلماً آخر آمن بقدراته، فإذا به يتحول إلى مصباح للعلم بين أقرانه. وكم من تلميذ وسم بالفاشل فإذا بالثقة تحوله إلى رائد في ميادين التفوق.

أليست التربية في جوهرها إيماناً بالقدرة على التغيير؟ أليس المعلم الصادق هو من يرى في كل تلميذ بذرة تستحق السقي، وليس حجراً لا ينبت؟ الحكمة تقول: من يحكم على الناس بماضيهم يدفن حاضرهم و يغتال مستقبلهم. فكيف يليق بمعلم أن يختار طريق الدفن بدلاً من طريق البعث و الإحياء؟

التلميذ ليس رقماً على سبورة، بل قلب ينبض في انتظار من ينصفه، و عقل يتلهف لمن يفتح له أبواب الأمل. و الأحكام المسبقة ليست فقط ظلماً للتلميذ، بل خيانة للرسالة التربوية ذاتها، لأنها تحول المعلم من صانع للأمل إلى شاهد زور يكرر ما قيل و يهدم بما لم يختبر.

فيا معلمي اليوم: اتقوا الله في تلامذتكم، وكونوا لهم جسوراً نحو الغد و ليس سجوناً تحاصرهم.

لا تقتلوا فيهم براعم الطموح بأحكام موروثة لم تصدقوها بأنفسكم، ولا تجعلوا القسم مقبرة للأمل أو محكمة للإذانة بل فضاء للرحمة و العدل و المساواة، فذاك التلميذ هو ابنك و ابنتك فلا تخنقها بقيد الماضي و تقتل بذرة الأمل التي لم تورق بعد. إن كلمة منكم قد تكون سلماً يصعد به التلميذ إلى قمم النور، أو حجراً يهوى به إلى ظلمات العدم.

أخيرا وليس آخرا، إياكم ثم إياكم من الأحكام المسبقة، فهي سم قاتل في ثوب نصيحة، و نار هادئة تأكل ضمير التربية من الداخل. لا تكونوا شركاء و لا شهودا في وأد الطاقات و تحطيم النفوس، فالتاريخ لا يرحم من صدق رواية عابرة و أغلق باب الأمل في وجه متعلم كان ينتظر كلمة واحدة تعيد إليه الحياة. امنحوا ابناءكم فرص جديدة، فربما في أحدهم نهضة أمة بأسرها.

واعلموا أن الظلم في التربية يذبح مستقبلاً بأكمله. مادام الله يمنحنا كل يوم فرصة لنتوب و نصحح أخطاءنا، فلماذا نبخل على ذاك التلميذ و نحكم عليه بالإعدام.

تذكروا أن، كل تلميذ هو بذرة، فإن سقيت بماء ملوث بالإحباط و الظلم، ماتت ، أما إن سقيت بماء الثقة أزهرت.و من حكم على إنسان بماضيه فقد أغلق عليه أبواب المستقبل. و المعلم العادل الحكيم لا يرث الأحكام، بل يصنعها بحكمة و بصيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى