كحيت الغلبان.. ضحية الأجور الراكدة وقانون الإيجار القديم الأجور الراكدة ومعاناة المواطن بقلم عبير الزلفى

كحيت الغلبان.. ضحية الأجور الراكدة وقانون الإيجار القديم
الأجور الراكدة ومعاناة المواطن
بقلم عبير الزلفى
في كل صباح، يفتح الموظف البسيط عينيه على واقع يزداد قسوة: أسعار ترتفع بجنون، ومحروقات تُلهب السوق، وفواتير لا ترحم. بينما يبقى راتبه الشهري ثابتًا، يذوب يومًا بعد يوم كقطعة ثلج في صيف قائظ. إنه “كحيت الغلبان”، الوجه الصادق لمعاناة ملايين المصريين، الذي يقف عاريًا في مواجهة وحش التضخم، بلا درع ولا سيف.
معادلة قاسية
القاعدة الاقتصادية البسيطة تقول: مع ارتفاع الأسعار، يجب أن ترتفع الأجور للحفاظ على مستوى المعيشة. لكن الواقع في مصر يقول العكس؛ النمو الاقتصادي ضعيف، وأصحاب الأعمال كثيرًا ما يتذرعون بالعجز عن تلبية مطالب موظفيهم، والحكومة تبرر بأن رفع الحد الأدنى للأجور مقيد بمعدلات النمو. وهكذا، يظل الموظف رهينة معادلة قاسية: أسعار تصعد إلى السماء.. وأجور غارقة في الوحل.
مفارقة السوق
المفارقة المؤلمة أن بعض القطاعات، وعلى رأسها السوق العقاري، تزدهر وتحقق أرباحًا ضخمة. أسعار العقارات والسلع تُرفع بلا تردد “وفقًا لحركة السوق”، بينما أجور الموظفين لا تتحرك قيد أنملة. والسؤال الجوهري يفرض نفسه: إذا كانت الشركات تملك الحق في رفع أسعار منتجاتها كل يوم، فلماذا لا يُمنح الموظف حق زيادة أجره ليعيش بكرامة؟
الإيجار القديم.. وجه آخر للجمود
وكما تتجمد الأجور في مكانها رغم تضاعف الأسعار، يبقى ملف الإيجار القديم شاهدًا آخر على الظلم الاقتصادي.
فمئات الآلاف من الملاك يتقاضون إيجارات هزيلة لا تكفي ثمن رغيف خبز، بينما يتمتع المستأجرون بعقارات في مواقع مميزة بأسعار لا تتناسب مع واقع السوق الحالي. هنا نجد أن “كحيت الغلبان” موجود على الجانبين:
ملاك صغار يصرخون من تدني العائد الذي لا يغطي احتياجاتهم.
مستأجرون يخشون أن يصبحوا في الشارع إذا رُفعت القيمة فجأة دون حلول وسط.
القضية إذن ليست أبيض وأسود، لكنها تعكس بوضوح مشكلة الجمود الاقتصادي والقانوني: أسعار العقارات تتضاعف، بينما تبقى عقود الإيجار القديمة حبيسة أزمنة مضت، تمامًا كما تتجمد الأجور في مواجهة التضخم.
غياب الضوابط
إن غياب الضوابط يجعل السوق المصري ساحة بلا عدالة، حيث يربح الكبار ويُسحق الصغار. في المنتصف يقف “كحيت الغلبان”، محاصرًا بين فكي كماشة: أسعار تنهش من لحم يومه، وأجور جامدة تكبّله في ليل طويل من العجز والهم.
النتيجة الحتمية
النتيجة واضحة: انخفاض القوة الشرائية، تفاقم التضخم، وانهيار الطبقة الوسطى. أما “كحيت”، فيمضي ببطء نحو هاوية الموت البطيء، إما بضغط نفسي يفتك بروحه، أو سكتة قلبية تنهي معركته الخاسرة مع أعباء الحياة.
لك الله يا كحيت… فأنت الضحية الصامتة لسوقٍ متوحش، وحكوماتٍ عاجزة، وأجورٍ لا تتحرك إلا إلى الوراء.
الطريق إلى الحل
إذا كانت المشكلة واضحة، فالحلول ليست مستحيلة:
1. تدخل حكومي عادل: بفرض آليات ربط الأجور بمعدلات التضخم الحقيقية، بحيث يتحرك الحد الأدنى للأجور تلقائيًا مع أي ارتفاع في الأسعار.
2. ضبط السوق: فرض رقابة صارمة على القطاعات التي ترفع الأسعار بلا مبرر، خاصة السوق العقاري والسلع الأساسية.
3. شراكة مجتمعية: تشجيع أصحاب الأعمال الكبار على رفع الأجور بما يتناسب مع أرباحهم، لا أن تتحول الأرباح إلى رفاهية للمستثمر وحده على حساب عرق الموظف.
4. حل عادل لملف الإيجار القديم: عبر تشريع متدرج يراعي حق المالك في عائد عادل، ويحمي المستأجر من الطرد الفوري، بما يحقق توازنًا اجتماعيًا واقتصاديًا.
5. دعم الفئات الأكثر ضعفًا: من خلال برامج حماية اجتماعية واقعية، لا وعود تُلقى في الهواء.
بهذا فقط يمكن لـ كحيت الغلبان” أن يلتقط أنفاسه، ويستعيد شيئًا من حقه المسلوب، فلا يموت ببطء تحت عجلة التضخم، بل يحيا بكرامة يستحقها.
✍️ عبير الزلفي



