نادية هارون تكتب:حين يُهزم الوطن في مدرسته

حين نبحث عن أسباب ضياع القيم في هذا الجيل، لا بد أن نضع المسؤولية أولًا على عاتق الأب والأم معًا، فالأم انشغلت بتحقيق ذاتها في العمل، ثم التهمتها وسائل التواصل ومظاهرها الزائفة، فاختزلت أمومتها في الرعاية وحدها “طعام وملبس ونفقات”، دون أن تزرع القيم أو تبني الضمائر، بينما كانت أم الأمس – التي لم تنل تعليمًا نظاميًا ولم تبحث عن تحقيق ذات – أكثر وعيًا برسالتها وأعمق أثرًا في أجيالها، ورغم أن مجتمعها كان بسيطًا لم يعرف من التطور شيئًا مما نعرفه اليوم، إلا أنها أخرجت من بيوت الطين أجيالًا صنعت التاريخ، منهم سياسيين وأدباء وعلماء وفنانين ورياضيين، رجالًا ونساءً حملوا قيمًا وأخلاقًا نفتقدها اليوم.

والأب بدوره لم يعد كما كان، فقد ألهته صعوبات الحياة وضغوط المعيشة من جانب، ثم انجرف من جانب آخر إلى اللهو عبر متابعة السوشيال ميديا وملاحقة النساء عبر الخاص، فلم يعد الأب الذي يملأ البيت مهابة ووقارًا، ذاك الذي كان الأبناء يحترمونه ويخشون غضبه في الوقت نفسه، غاب حضور الأب المربي، وغابت معه صورة القائد والقدوة، فخسر الأبناء الركيزة الثانية التي يقوم عليها بناء التربية السليمة.

ثم جاءت المدرسة لتزيد الطين بلة، فإذا بالمؤسسة التي تحمل اسم “وزارة التربية والتعليم” تفتقر إلى التربية أولًا، وتفرّغ التعليم من جوهره ثانيًا، وصار المعلّم في كثير من الأحيان تاجرًا لا مربّيًا، يقدم بضاعة مغشوشة بأثمان باهظة، ويبيع العلم كما تباع السلع في الأسواق، وهكذا تحوّل التعليم إلى مجرد وسيلة للحصول على شهادة ورقية، بينما الحقيقة أن الشهادة لا تصنع متعلمًا، ولا تعني أن حاملها قد حصّل علمًا أو اكتسب قيمة، فكم من طالب نال شهادة عليا، لكنه خرج إلى الحياة خالي الوفاض من الفهم والأخلاق والضمير.

أذكر من طفولتي ما يعكس الفرق بين الأمس واليوم.. ففي المرحلة الابتدائية، وللمرة الأولى جُمِع الصفان الخامس والسادس، ولتفوقي أراد المعلمون أن ألتحق مباشرة بالصف السادس، رفض والدي ذلك، لكنهم طبقوا الفكرة من دون علمه، فأخرجوني من الصف الخامس وأدخلوني السادس، وكانوا يصحبونني إلى بيوتهم ليدرسوا لي بأنفسهم، لا طلبًا لمال ولا سعيًا لمكسب، بل إيمانًا منهم أن التعليم رسالة لا تجارة، كنت أقول لأبي ببساطة “بعد المدرسة سأذهب إلى بيت المعلمة فلانة أو المعلم فلان”، فيطمئن قلبه لأن المعلم يومها كان أبًا ثانيًا وضميرًا حيًا، نجحت في ذلك العام بتفوق، لأن المعلمين صدقوا في رسالتهم وغرسوا فينا حب العلم قبل حب الدرجات.

أما اليوم، فقد ماتت هذه الروح، وغابت تلك الرسالة، ولم يبقَ من التعليم إلا أوراق تزين الجدران، ودروس خصوصية تستنزف الجيوب، وجيل يتخرج بلا قيم ولا علم ولا هدف، ونحن على أعتاب عام دراسي جديد، آن الأوان أن نضع حدًا لهذه الفوضى، وأن نعيد المجموعات المدرسية مكان الدروس الخصوصية كما أعادت الوزارة نظام البكالوريا، وأن نسنّ قوانين رادعة تعيد للتعليم هيبته، والأهم أن نعيد للبيت رسالته الأولى، رسالة التربية، فإن ضاعت التربية ضاع كل شيء، ولن تكفي آلاف الشهادات لتقول عن صاحبها إنه متعلم.

وفي النهاية، فإن تقوية أي دولة تبدأ من بناء الإنسان الواعي القادر على حمل القيم وحماية وطنه، فحين نستعيد التربية الصادقة والتعليم الحقيقي، ينهض جيل يمتلك العلم والإرادة وروح الانتماء، جيل يعرف أن الوطن ليس أرضًا فحسب بل هو هوية وكرامة ومسؤولية، وعندها فقط يتحقق للمجتمع استقراره، وتستعيد الدولة قوتها وهيبتها في مواجهة كل ما يُحاك لها من مؤامرات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى