طوبى لمن أكل طيبا وعمل صالحا .. الكاتب/ محمـــد الدكـــروري

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين حق قدره ومقداره العظيم أما بعد خاطب النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة رضي الله عنه فقال له ” يا كعب ابن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم أو دم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب الناس غاديان، فغاد في فكاك نفسه فمعتقها، وغاد فموبقها” فطوبى لمن أكل طيبا وعمل في سنة، طوبى لمن حسن تعامله وعفّ في طعمته، حفظ الأمانة وصدق في الحديث، وأمن الناس بوائقه، فيا أيها الناس حين يضعف الدين في الناس تفسد أخلاقهم، وتقل أمانتهم فترفع عنهم النعم.

وتحل بهم النقم، ويتسلط بعضهم على بعض بالظلم والبغي والعدوان، فتحل فيهم الأثرة محل الإيثار، ويتخلقون بالأنانية بدل المواساة والإحسان، والساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، ومن علامات قربها فساد الزمان، والزمان يفسد إذا رفعت الأمانة، وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فقال متى الساعة؟ فقال عليه الصلاة والسلام ” إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة” قال كيف إضاعتها؟ قال ” إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ” رواه البخاري، ومن أبين صور إرتفاع الأمانة في أمة من الأمم هو إنتشار الرشوة فيها حتى لا تصل الحقوق إلى أهلها إلا بها، وهي خُلق ذميم وإثم مبين، يحذرها الشرفاء الكرماء، ولا يرتضيها لنفسه إلا الأراذل من الناس، تخلقها بعض أهل الكتاب، من أحبار اليهود ورهبان النصارى.

فذم الله تعالى صنيعهم في كتاب يتلى إلى يوم الدين وسمّى ما أكلوه من أموال الناس بالباطل سحتا، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن ” كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ” وجاء ذلك في أحاديث عدة، منها حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه عند الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وفيه إن الله عز وجل لما ذم كفرة بني إسرائيل، وبيّن أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، وأن قلوبهم نجسة، وتوعدهم بالخزي في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة، وقال ابن مسعود رضي الله عنه “السحت الرشوة” رواه الطبري، وقال الحسن رحمه الله تعالى كان الحاكم من بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمّه فأراها إياه وتكلم بحاجته، فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة، ويسمع الكذب” بل إنهم لما إستساغوا الرشوة، وأضحت لهم خُلقا. 

كتموا ما أنزل الله تعالى من الحق وأنكروه وزوّروه، وأضلوا أتباعهم من العامة والرعاع، ويوم القيامة يحملون أوزارهم، وأنهم كتموا الناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة برشوة أعطوها فأخذوها” وإنهم بسبب حب الدنيا والمال، وقبول الرشوة لإخفاء الحق وإظهار الباطل، حرفوا آيات الله تعالى، وغيروا معانيها لتوافق أهواء من يرشونهم، فكان وعيدهم على ما فعلوا شديدا، وعذابهم أليما، وكان الثمن الذي باعوا به الحق، ونصروا الباطل، هو الرشوة التي ذمها الله تعالى، وذم أهلها، وكان من عاجل عقوبة بني إسرائيل على ذلك أن الله تعالى حرمهم من طيبات في الدنيا، وظل هذا الخلق الدنيء ملازما لليهود حتى بعد أن ظهر المسلمون عليهم، وأخذوا خيبر منهم، وعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم عليها، فحاولوا رشوة عبد الله بن رواحة رضي الله عنه.

لما جاء يخرص تمرّ خيبر لإخراج زكاته كما روى مالك في الموطأ من من حديث سليمان بن يسار رحمه الله تعالى “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة يخرص بينه وبين يهود خيبر، قال فجمعوا له حليا من حلي نسائهم، فقالوا هذا لك فخفف عنا، وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يا معشر اليهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها، فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض” وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى ” وفيه دليل على أن كل ما أخذه الحاكم والشاهد على الحكم بالحق أو الشهادة بالحق سحت، وكل رشوة سحت، وكل سحت حرام، ولا يحل لمسلم أكله، وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين.

وفي هذا الحديث دليل على أن السحت وهو الرشوة عند اليهود حرام ولا يحل، ألا ترى إلى قولهم بهذا قامت السماوات والأرض، ولولا أن السحت محرّم عليهم في كتابهم ما عيّرهم الله في القرآن بأكله، فالسحت محرّم عند جميع أهل الكتاب، أعاذنا الله منه برحمته اللهم آمين يا رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى