أخر الأخبار

اكتشاف مهم قصة قصيرة بقلم الكاتبه والأديبة تهاني عدس

قصة قصيرة/ اكتشاف مهم

بقلم/ تهاني عدس

 

كان يراودني هاجس دائم بأنني سأكتشف شيئًا ذا شأن، لا أعرف كنهه، لكن كان يترسخ في داخلي يقين بأن اللحظة الموعودة ستأتي لأصرخ: وجدتها.

 

يشبه هذا شعور العالم والفيزيائي الشهير أرخميدس لحظة اكتشافه تفسير قانون الطفو. كان مستغرقًا في حوض الاستحمام، ثم انتفض فجأة وركض في شوارع المدينة صارخًا: وجدتها.

 

واستمر هذا الشعور حتى التحقت بقسم الدراسات العليا، حيث طُلب مني إعداد مشروع التخرج. بعد أشهر من البحث، وضعت مشروعًا لتطوير منظومة التعليم في الولاية، صممته استنادًا إلى فلسفتي الخاصة ورؤيتي لنظام تعليمي متقدم يستخدم وسائل جديدة وغير مألوفة.

 

في يوم المناقشة، وقفتُ أمام الحضور من الأساتذة والزملاء، وبدأتُ الشرح مشيرةً إلى شاشة العرض. ساد الصمت القاعة، ثم لاحظتُ أستاذًا يهمس لآخر، وغادر الغرفة مسرعًا. بدأ القلق يتسلل إليّ ظنًا مني أنني ربما قلت شيئًا لم يعجبه، ومع ذلك واصلتُ الشرح. بعد دقائق قليلة، عاد الأستاذ ومعه رئيس القسم، ووقفا يتابعان العرض. لم أستطع تحديد تعابير وجهيهما، فتملكني القلق وبدأت أرتجف، لكني تماسكت.

 

بمجرد أن توقفت عن الحديث، انفجرت الغرفة بالتصفيق، وتقدم رئيس القسم برفقة الأساتذة لتهنئتي على هذا العمل غير التقليدي، حسب وصفهم. وتوالت تعليقات زملائي مؤكدةً أنني قدمت فكرة متميزة تستحق التقدير، مما أدخل السرور إلى قلبي فاسترحت نفساً عميقة.

 

في بادئ الأمر، ظننت أن هذا هو الاكتشاف الذي كنت أبحث عنه، لكنه لم يكن كذلك. فرغم أنه أثبت قدرتي على التفكير المبتكر وأظهر شغفي الكبير بالبحث، إلا أنني لم أعتبره اكتشافاً بحد ذاته، واللحظة التي كنت أنتظرها لأقول: “وجدتها!” لم تأتِ بعد.

لذا، كان عليّ أن أستمر في البحث.

 

خلال سنوات الدراسة، اضطررت إلى تعلّم الكتابة، وهو مجال لم يكن يثير اهتمامي إطلاقًا. تطلب الأمر مني مراقبة أسلوبي في التعامل مع مختلف المواقف وتدوين ملاحظاتي في تقارير عُرفت باسم “الانعكاسات”. بعد إجراء العديد من الاختبارات النفسية على نفسي، أعددت عشرات من هذه التقارير.

 

انطلقت بعد ذلك في رحاب البحث، واطلعت على عشرات الكتب في علم النفس والتنمية البشرية لدراسة النظريات والأبحاث العلمية المتنوعة. ثم شرعت في تجميع كل هذه التقارير والنتائج والتحليلات في ملف شامل أسميته “الانعكاس الأكبر”. كنت أشعر وكأنني أبحث عن مدينة أثرية مفقودة، ولا أمتلك سوى قصاصات مبعثرة من خريطة قديمة ممزقة تفتقر إلى الوضوح.

 

أخيرًا، وبعد جهد، نجحت في تجميع كل الأجزاء وربطها ببعضها، ثم دوّنت ملاحظاتي النهائية. وبينما كنت أتصفح الملف، وبمجرد أن انتهيت من قراءة الصفحة الأخيرة، انتفضتُ من مكاني صارخًة: وجدتها!

 

لقد أتت اللحظة التي طال انتظارها؛ إنها لحظة وعي وتنوير. لقد عثرت على إجابة سؤال: من أنا؟

كانت لحظة استعادة ذاتي المفقودة بعد أن تاهت في مسارات الآخرين.

 

كان هذا الانعكاس الأكبر تجربة كاشفة منحتني فرصة التعرف على هويتي الحقيقية لأصبح مكتفية بذاتي وأفعل ما يفيدني في حياتي. إن معرفة من أنا تظل أهم اكتشافاتي وأعظم إنجازاتي.

ورغم أن مهمة البحث عن الذات لم تكن سهلة، إلا أنها كانت تستحق المحاولة بالتأكيد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى