نادية هارون تكتب:عام سقوط الأقنعة… والقادم أسوأ

يمكن تصنيف العام المنصرم أنه كان عاما إستثنائيا في آلامه وقسوته، عاما كشفت فيه الأحداث العالمية عن ضعف التوازنات، وضاعت فيه القيم الإنسانية بين حسابات القوة والمصلحة، الحروب تصاعدت، والإقتصاد العالمي ترنح، والقيم الأخلاقية سجّلت هبوطا حادا وصل الى أدني مستوياته بلغة الإقتصاد وهي لغة العصر، أصبحت الأخلاق والقيم رهينة المصالح، وعلى المستوى العربي، كان الألم أعمق وأقسى، إذ لم تكن الخسائر سياسية أو اقتصادية فحسب، بل إنسانية بالدرجة الأولى، مع دماء تُسفك، وأوطان تتمزق وأخرى تُستنزف، وشعوب بلا حماية أو عدالة، في ظل صمت دولي وانقسامات داخلية تُضاعف الوجع.

كشفت السنة الماضية عن سقوط كثير من الأقنعة، فتبين أن الصداقة والعداء ليسا دائما نتاج مبادئ ثابتة، بل مصالح تتبدل حسب الظروف، عدو الأمس صار حليفا بلا حياء أو خجل، وحليف الأمس إنقلب خصما بلا مبرر سوى المصلحة، وكأن نقض العهود أصبح قاعدة، والتحولات السياسية تُسوَّق على أنها “براغماتية” بينما هي في الأساس إنسلاخ عن أي التزام أخلاقي أو إنساني، وهنا تكمن المأساة، لأن الشعوب هي التي تدفع دائما الثمن.

أما بالنسبة لمصر، فقد أبانت الأحداث بوضوح شديد من هو العدو ومن هو الحبيب، ومن يقف ضد أمنها ومصالحها، ومن يتحالف مع أعدائها أو يزرع الفوضى حولها، كل داعم للفوضى أو متواطئ مع الكيان الصهيوني هو عدو واضح النوايا، متحرك بسبق الإصرار والترصد، نعم، وهذه واحدة من أخطر نتائج العام المنصرم، أنه لم يكتف بكشف الأقنعة، بل عرّى منطق العلاقات ذاته، سقط وهم الثوابت والإخوة والعروبة، أغفلوا نصوص الدين وارتباط الدم، وإتضح أن كثيرا مما كنا نعدّه مواقف مبدئية لم يكن سوى مصالح مؤجلة، وأن العداء والصداقة في عالم السياسة لا تحكمهما القيم بقدر ما ترسم خريطتها الكلفة والعائد.

وهنا نرى المأساة العربية مضاعفة، لأن الشعوب مُطالَبه بالاصطفاف والتصفيق لكل متغير، دون حق في السؤال أو المحاسبة، وكأن الثمن يُدفع دائما من دمها وأمنها ومستقبلها، سقوط الأقنعة لم يكشف فقط وجوه الآخرين، بل كشف ضعفنا نحن حين نغيب عن صناعة القرار، ونُترك أسرى تحالفات تُنسج فوق جثثنا وتتفكك على حسابنا.

وربما أخطر ما كُشف هو أن الرهان الحقيقي لم يكن يوما على الحلفاء ولا الخصوم، بل على من يمتلك مشروع أخلاقي وسياسي مستقل، من لا يملك هذا المشروع، سيظل يتأرجح بين عدو متغير وحليف غير دائم، فيما تدفع الشعوب الفاتورة كاملة.

وكافة المؤشرات تبشر بأن العام الجديد لن يكون أقل صعوبة، بل قد يكون أشد تحديا على الصعيدين العالمي والعربي، وهذه ليست دعوة للتشاؤم بلا أساس، بل دعوة للحيطة والحذر، وفهم المخاطر مسبقا، فمعطيات العام المنقضي تعطي هذه النتائج، لذا يجب صنع خطط استراتيجية تحفظ الأوطان والشعوب، لأن من يعرف مسبقا ما يواجهه هو من يملك القدرة الأكبر على حماية شعبه ووطنه.

ومن الواجب التعامل معه بحزم ووعي كامل، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وتقوية الداخل، وضبط التحالفات على أسس المصالح الحقيقية والشعور الوطني، لا على الحسابات الهشّة أو المصالح الشخصية، والاستعداد المبكر والوعي هو ما يميز من ينجو من تداعيات هذه السنوات العاصفة، ويحول الصعوبات إلى فرص للإستقرار والبناء، حتى لا تتحول إلى خراب وفوضى مستمرة.

وفي النهاية أقول: أنه ورغم ذلك، فإن قسوة الأعوام لا تُقاس فقط بما أخذته منا، بل بما أيقظته فينا، فبعض السنوات السيئة تكشف الحقائق، وتُسقِط الأقنعة، وتفرض سؤالا موجعا لكنه ضروري، وهو، كيف نحيي الإنتماء الوطني، والوعي الإنساني، ونسترد الإنسان، قبل أن نفكر في إسترداد الأرض؟، ومحاسبتنا لأنفسنا قد تكون باب للإصلاح والصلاح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى