جبل علبة.. سيادة مهدرة وكنوز مستباحة (1-4) تحقيق: رضا رفعت

جبل علبة.. سيادة مهدرة وكنوز مستباحة (1-4)

عروق الذهب في وادي إيبايب تنتظر قراراً سيادياً للاستخراج
احتياطيات بمليارات الدولارات في أودية حلايب وشلاتين المعطلة
بوابة الماء وثيقة فرعونية تجسد سيادة مصر التاريخية
مصائد السحب توفر رياً ربانياً بأعلى جدوى اقتصادية

تحقيق: رضا رفعت:


على حدود مصر الجنوبية الشرقية، تتمدد”خزينة سيادية” تفوق مساحتها دولاً بأكملها؛ حيث تعانق عروق الذهب أغنى مخزون دوائي طبيعي في القارة. نفتح في الحلقة الأولى من هذا التحقيق ملف “الأصول المعطلة” في مثلث (حلايب – شلاتين – علبة)؛ لنكشف بالوثائق فاتورة الفرص الضائعة في منطقة تستحوذ على أغنى الأحزمة المعدنية في العالم، بينما تنتظر “بوابة الماء” الفرعونية قراراً يعيد إحياء سيادة الإنسان المصري على منابع ثرواته المنسية.
جغرافيا السيادة
تبلغ مساحة “جبل علبة” 35600 كم مربع، في الركن الجنوبي الشرقي بمثلث حلايب، وقد أُعلنت محمية طبيعية بقرار سيادي عام 1986. ووفقاً للموقع الرسمي لوزارة البيئة، تخضع المحمية لتقسيم إداري وفني دقيق يشمل ثلاثة قطاعات رئيسية؛ تبدأ بـ «قطاع أبرق» شمال شلاتين، وهو المركز الأثري الذي يوثق حضارات ما قبل التاريخ وصولاً للعصور الفرعونية والرومانية حول بئر أبرق الشهير.
يليه «قطاع الدئيب» في قلب المحمية، والذي يمثل الشريان الهيدرولوجي الأهم ومستودع النباتات النادرة ومصبات السيول. وصولاً إلى «قطاع حلايب» في النطاق الجغرافي الجنوبي، وهو الملاذ الأغنى للتنوع الحيواني البري والمستوطنات البشرية القديمة.
ويُوثق الخبير الأثري الدكتور عبدالرحيم ريحان أن الموقع فرض نمطاً مناخياً جافاً إلى شبه جاف، إلا أن موقعها في أقصى المنطقة المدارية جعلها نقطة “تداخل حيوي” فريدة؛ حيث تربط مناخ المحيط الهندي جنوباً بالبحر المتوسط شمالاً. هذا الموقع يمنح “علبة” قيمة جيوسياسية واقتصادية كأحد أهم الممرات البيئية في القارة، وامتداداً طبيعياً لمرتفعات إثيوبيا؛ مما يجعلها “خط دفاع بيولوجي” واستراتيجي لمصر.
السيادة المعدنية
على عمق أمتار قليلة من أودية (إيبايب والأبرق)، ترصد بيانات هيئة الثروة المعدنية (2024/2025) عروق الكوارتز الحاملة للذهب بتركيزات اقتصادية تفوق المعدلات العالمية، بالإضافة إلى تواجدات ضخمة لخام الكروم والمنجنيز والجرانيت الأسود النادر. وتؤكد “خريطة المزايدات العالمية للتنقيب عن الذهب” أن المنطقة تقع ضمن النطاقات الأكثر جذباً للاستثمار الأجنبي المباشر؛ حيث تُقدر الاحتياطيات الجيولوجية بمليارات الدولارات؛ مما يفرض ضرورة توطين صناعات التعدين التحويلي بدلاً من التصدير الخام.
بوابة الماء
تتصدر منطقة “أبرق” المواقع الأهم لثبات قيمتها التاريخية الممتدة عبر العصور المصرية القديمة والرومانية والإسلامية؛ حيث يوثق الدكتور ريحان أنها تضم وديان (العرقة، عيقات، الجاهلية، الامريت، قمبيت، وأبو سعفة). وتؤكد السجلات الأثرية بقطاع آثار ما قبل التاريخ أن المنطقة كانت مأهولة بالسكان منذ فجر التاريخ، حيث عُثر في كهوفها ووديانها على أدوات حجرية ونقوش صخرية تروي حكايات حضارات عريقة استوطنت المنطقة، مثل حضارة النوبيين والمصريين القدماء، مما يحولها من مجرد محمية طبيعية إلى متحف مفتوح يوثق سيادة الإنسان المصري على هذه الأرض.
ويبرز “وادي أبو سعفة” كمورد استراتيجي يحوي بوابة منحوتة في صخور الجبال تسمى “بوابة الماء”، تعود للعصور الفرعونية وتحمل نقوشاً تدل على سيادة الإنسان المصري القديم على منابع المياه. كما تضم المنطقة قلاعاً رومانية أعلى جبل أبرق والعرقة، مما يمنح المنطقة مورداً سياحياً وثقافياً معطلاً يتطلب تحويله إلى “مقصد استثماري” عالمي.
مصائد السحب
يؤثر التركيب الجيولوجي للمحمية على تعدد البيئات وتوزيع النباتات، وخصوصاً أنواع الأكاشيا؛ حيث تبرز جبال علبة في واجهة تيارات الهواء والسحب المحملة بالرطوبة القادمة من البحر، والتي يتم “تكثيفها” فوق القمم.
هذا النظام الهيدرولوجي الفريد يوفر (رياً ربانياً) لـ 350 نوعاً نباتياً، ما يمنح أي مشروع تنموي ميزة تنافسية كبرى: (بنية تحتية مائية جاهزة دون أعباء تمويلية)، وهو ما يرفع من الجدوى الاقتصادية لأي نشاط زراعي أو صناعي مستقبلي بالمنطقة، ويدعم المشاريع التنموية الكبرى دون الحاجة لبنية تحتية مكلفة لنقل المياه.
في الحلقة القادمة الصيدلية الخضراء وكيف يحقق الفدان الواحد عائداً يتجاوز 600 بالمئة من نباتات واحة
الضباب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى