حين يكون الترك إيمانا وتسليما من وحي قصة سيدنا موسي عليه السلام

حين يكون الترك إيمانا وتسليما
من وحي قصة سيدنا موسي عليه السلام
قال تعالي “وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ”
لم يكن هذا أمرا بالترك، بل أمرا بالتسليم.
ولم يكن اختبارا لمشاعر أم، بل امتحانا لفهم الإنسان لمعنى الإيمان.
الله لم يقل لها إن البحر آمن، ولا إن الطريق مضمون،
بل قال لها شيئا أخطر وأعمق:
لا تخافي ولا تحزني.
كأن الرسالة لم تكن لموسى، بل لقلبها.
الترك في ظاهره قسوة،
وفي باطنه حكمة لا يفهمها إلا من ذاق الألم حتى نهايته.
أم موسى لم تترك طفلها،
هي أخرجته من دائرة خوفها، وسلمته لدائرة أوسع اسمها إرادة الله.
في حياتنا، تتكرر القصة بأشكال مختلفة.
نمسك بمن نحب حتى نختنق،
ونخاف أن نترك،
لا لأننا لا نثق بالله،
بل لأننا نخاف أن نكتشف أن بعض من نحب لا يريد البقاء.
أحيانا يبعد الله الأبناء لا عقابا للأم،
بل حماية لها من الاحتراق البطيء،
من العطاء الذي لا يُرى،
ومن الحب الذي لا يُقابل.
الفرعون لم يكن شخصا فقط،
بل كان تجربة قاسية،
تعلم بالقوة ما لم يتعلمه القلب في الحنان.
وليس كل من عاد نجا،
ولا كل من غاب هلك.
بعض الغياب رحمة،
والتجربة درس الى من لا يدرك الدرس بالاحتواء والحب.
وبعض القرب امتحان لا يُحتمل.
إنا رادوه إليك …
ليست دائما وعدا بعودة الجسد،
بل وعدا بعودة المعنى.
أن يعود السلام إلى قلبك،
وأن تسترد كرامتك،
وأن تفهم أن دورك لم يكن الفداء إلى الأبد.
أعلى مراتب الأمومة ليست في العطاء اللامحدود،
بل في أن تعرفي متى تتركين دون كره،
وتحبين دون انتظار،
وتسلمين دون أن تتحولي إلى ضحية.
هذا ليس ضعفا.
بل هذا وعي وحكمة.
ان موسي عليه السلام كان نفسا طاهرة ذكيه فأنبته الله نباتاً خيرا ،
الحكمة هنا من المتلقي ماذا تختار في رحلتك ، ان يكون حصادك خير ام شر ،
ان تكون نفسا ذكية ام نفساً شيطانيه ، لك الخيار..
قال تعالى “يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
الحكمة ليست معرفة،
ولا حفظ آيات،
ولا ترديد شعارات عن البر والطاعة.
الحكمة أن تفهم متى يكون القرب حياة،
ومتى يتحول إلى استنزاف،
ومتى يصبح البعد رحمة مقنعة.
الحكمة أن تدرك أن الأم ليست جدارا تتكئ عليه ثم تمضي،
ولا صدرا مفتوحا بلا نهاية لتمارس عليه قسوتك ثم تعود مطمئنا.
هي إنسان،
لها حد،
ولها كرامة،
ولها قلب يتعب حتى لو لم يشتكي.
وهنا، لا بد من رسالة لا تصرخ، لكنها تصل:
إلى كل ابن وابنة رسالة لهذا الزمن الضال..
تسيرون في بحر الدنيا بحثا عن أنفسكم،
وتتركون وراءكم “أما ” تراجع نفسها ألف مرة لتتأكد أنها لم تقصر.
اعلموا أن الدعاء الذي يسبقكم ليس ضعفا،
وأن الحنين الذي يصلكم في صمت ليس استجداء،
وأن صبرها ليس دليلا على أنها لا تتألم.
في اللحظة التي تديرون لها ظهوركم،
هي لا تسقط من إنسانيتها،
بل ترتقي فوق وجعها.
لكن إياكم أن تظنوا أن الصبر لا يترك أثرا،
أو أن القلوب القوية لا تنكسر،
أو أن الأمومة تعني الغفران الأبدي بلا وعي.
البر ليس أن تعود حين تحتاج،
ولا أن تبرر القسوة بالانشغال،
ولا أن تجعل الدنيا عذرا لخلع الرحمة من قلبك.
البر أن تظل إنسانا
وأنت بعيد.
أن لا تجرح من كانت ملجأك الأول.
أن لا تكسر قلبا كان سبب نجاتك يوما.
فمن فقد إنسانيته،
مهما نجح،
ومهما وصل،
لم يؤت الحكمة، وما يذكرإلا أولو الألباب.
الاديبة/سميرة حمود
6/2/2026



