قراءةٌ في ديوانِ (يخلقُ من الشبهِ ياسمينَ) للأديبةِ ميَّادَة مُهَنَّا سُلَيمان

هندسةُ الكلماتِ في حضرةِ الياسمينِ
قراءةٌ في ديوانِ (يخلقُ من الشبهِ ياسمينَ) للأديبةِ (ميَّادَة مُهَنَّا سُلَيمان)
علي غدير
أن تُهديَ نتاجَكَ الأدبيَّ إلى مدينةٍ؛ فذلك اعترافٌ ضمنيٌ منكَ بأثرِ المدينةِ على نتاجِكَ، كأنْ تكونَ ملهمتَكَ لإبداعِهِ. وما إنْ تفسِّرَ سِرَّ الإهداءِ حتى تجلو الشكوكَ، وتضعَ القارئَ على يقينٍ مطلقٍ أمامَ اعترافِكَ؛ بأنَّ المدينةَ المنشودةَ قَد طَرَّزتْ ذكرياتِها على فساتينِ طفولتكَ، وأنَّ عَلَمَها الأشَمَّ عَلَّمَ قصائِدَكَ الشُّموخَ، وأنَّ زَهرَها المُقدَّسَ عَلَّمكَ كيفَ تفوحُ شِعرًا.
تمامًا، هكذا أهدتِ الأديبةُ الشاعرةُ المبدعةُ (مَيَّادَة مُهنّا سُلَيمان) ديوانَها الشعريَّ (يَخلُقُ مِن الشَّبهِ ياسمينَ) إلى (دِمشقَ)، المدينةِ الأسطوريةِ التي أحِبُّها مِثلَما أحِبُّ (بغدادَ).
ليَ مع هذا الديوانِ وقفةٌ لا تتسرَّبُ مِن بؤرةِ ذاكرتي ما حَييتُ، فقدْ قرأتُهُ وهو لا يَزال في رحِمِ الإبداع، حينَ تفضَّلتْ عليَّ صديقتي الشاعرةُ ميادةُ به، وسأقتصر على لقبِ (الشاعرةِ) في هذا المقالِ؛ لأنَّ الموضوعَ شعريٌّ؛ مع يقينيَ التامِّ بقصورِ اللقبِ بحقِّها، فهي مهندسةُ الكلماتِ بلا منازعٍ، تكتبُ كلَّ ألوانِ الأدبِ بسلاسةٍ وإتقانٍ، وتخيِّبُ ظني حينَ أقفُ على لونٍ مميزٍ جميلٍ؛ فأقول لنفسي: “ها هيَ ذي قدْ أتقنَتْهُ تمامَ الإتقانِ”، حتى أجدُني أمامَ لونٍ آخرَ، أكثرَ تميُّزًا وجمالًا من سابقِهِ؛ وهلمَّ تميُّزًا وجمالًا.
أقولُ إنَّها تفضَّلتْ عليَّ وأهدتني نسخةَ الديوانِ الأوليّةَ لأقرأهُ قَبل طِباعَتِه، وقلَّما يفعلُ الشعراءُ ذلكَ؛ خِشيةَ تعديلٍ يطرأ قبل الطباعةِ والنشرِ، لكنّها جازفتْ؛ لا لثقَتِها الكبيرةِ بي فحسبُ، بل لأنها أرادَتْ أنْ يكونَ ديوانُها رفيقيَ في سفري العسيرِ، برفقةِ أخي المريضِ، إلى مدينة (دلهي). أرسلتْ ليَ صديقتي الشاعرةُ ديوانَها، وكأنها تطلبُ مِنّي أنْ أتصبَّرَ بحلاوتِهِ على مرارةِ الرحلةِ، وقد صدقَ حَدَسُها إلى أبعدِ حَدٍّ.
حين خاطبَتْ الشاعرةُ القارئَ، في مُستهِلِ ديوانِها، لامستْ إحساسَهُ المرهفَ؛ فوصَفَتْ ومضاتِها الشِّعريةَ بالياسمين. ولأنَّ الياسمينَ الدمشقيَ أعطرُ ما يكونُ في فصلِ الصيفِ، جاءتْ ومضاتُها دافئةَ المعانيَ ككِنزةِ صوفٍ تقي من لسعةِ بردٍ ولا تطردُ لذَّتَها، لاهبةَ المشاعرِ كعناقِ عاشقٍ عادَ مشتاقًا مِن سفرٍ طويلٍ، ساخنةَ العطاءِ كخبزٍ أُخرِجَتهُ يدُ أمٍّ لتوِّهِا من تنورِ طينٍ عتيقٍ.
حملَ عنوانُ الديوانِ شُحنةً شاعريةً عاليةً، جمعتْ بينَ التناصِّ التراثيِّ “يخلقُ مِنَ الشَّبَهِ أربَعِينَ”، وبينَ الرِّقَّةِ والجَمالِ الذي يُمثِّلُهُ الياسمينُ. حتى أنَّ الشاعرةَ لم تنوِّنَ كلمة (ياسمين) في العنوانِ؛ لضرورةِ التشبيهِ بالقافيةِ ذاتِها. ومُنذ العَتبةِ الأولى للدِّيوانِ، تُطالِعنا الشاعرةُ بلغةٍ تُعيدُ صياغةَ المألوفِ؛ فالياسمينُ هُنا ليسَ مجرَّدَ زهرةٍ، بلْ هُوَ كَينونةٌ لروحِ الشاعرةِ الرقيقةِ المرهفةِ، وهي تُبْدعُ إذ تَفتحُ لنا نافذةً على عالمٍ يَمتزجُ فيه العِطرُ بالكلمةِ، مؤكدةً أنَّ أصلَ الأشياءِ هوَ الجمالُ الذي يبقى حيًا بعد اندثارِها.
تُتقنُ الشاعرةُ فنَّ استعارةِ المفرداتِ بمهارةٍ فريدةٍ، فتضعُ الكلمةَ الأنسبَ مكانَ الكلمةِ المناسبةِ؛ لتقدِّمَ لنا أطباقًا شهيةً من الومضاتِ الخلّابةِ في ديوانِها، حيث يتأكدُ لنا أنَّنا لسنا أمامَ قصائدَ عابرةٍ، بل أمامَ تجربةٍ تحاولُ أنسنة الأشياءِ وتخليدَ الأحداثِ وتطويعَ اللغةِ؛ لجعلِها برائحةِ الحنينِ. ولعلّي أقفُ بينَ يَدَي نماذجَ مِن ومضاتِها الشِّعريةِ، محاولًا استنباطَ المشاعرِ المخبَّأةِ بينَ الحروفِ، وحَسبيَ مُباهاةً أنَّني حاولتُ تأويلَ الجَّمالِ.
في ديوانها المكتنِزِ المكثّفِ، تَصفُ الشاعرةُ صَبرها بأنَّهُ أطولُ ما يكونُ، لكنَّه يستسلمُ أمامَ شوقٍ يعتريها من غيابِ الحبيبِ؛ فتقولُ:
(صبري زرافةٌ
وغيابُك أسدٌ جائعٌ)
فهو الحبيبُ الذي لمْ ينبضَ قلبُه حنانًا كافيًا لطفولةِ مشاعرِها المتشعّبةِ في تفاصيلها العشقية؛ مبيّنةً:
(كنتُ طويلةَ قامةِ الطفولةِ
وكانَ قلبُكَ
قصيرَ قامةِ
الحنانِ)
موغلةً في وصفِ مبالغةِ الحبيبِ في التعبيرِ عن حُبِّهِ بمقاييسَ منطقيةٍ، يراها هو ضرورةً لكي يَظهرَ الحبُّ مثاليًا، وتراها هي تقويضًا لطبيعةِ الحُبِّ البهيجةِ الخلّابةِ؛ فتفصِّلُ:
(كان بُستانيًا بارعًا
في تشذيبِ الأغلاطِ
لذلكَ شجرةُ الحُبِّ
لَمْ تُزهِر)
برَغمِ كُلِّ هذا الإجحافِ الذي عانَتهُ مِن الحبيبِ، لَمْ تتوانَ عن الاعترافِ لهُ بأنَّ خِصامَهُ ينطوي على لذةٍ لا يَفقهُ كُنهَهَا إلا العاشِقُ الصادِقُ، فهي تصدُّ الخصامِ الذكوري المعتَّقِ في قلبِهِ بأمضى سلاحٍ تمتلكُهُ الأنثى؛ موضِحَةً:
(علَّمني قلبُهُ النَّحلةُ
أنَّ خِصامَهُ
أشهى مِن العسلِ
فكُلَّما اضرَبتُ عن عِشقِهِ
جَنى مِن ثغريَ
الكثيرَ من القُبَلِ)
تعاتبُ الشاعرةُ الحبيبَ، فهي تنتظرُ منهُ بِدَلالِها المفرِطِ أن يرفعَ إليها تحيةَ الصباحِ، غيرَ أنَّهُ لسوءِ حظِهِ نسيَ واجبَهُ المقدَّسَ، فقرَّرتْ أنْ تُلفِتَ انتباهَهُ إلى أنَّها أهَمُ مِن كُلِّ مشاغِلِ الحَياةِ، ويَنبغي عليهِ ألّا يَنسى تحيةَ الصباحِ، فهيَ فريضةٌ مؤكَّدةٌ في عِبادةِ الحُبِّ، وما عَدَاها مِن تحياتٍ مَحضُ نوافِل لا يُحاسب على نسيانِها، وعليه أن يُروِّضَ قلبَهُ في أداءِ عباداتِه، ويكونَ مؤمنًا صادقًا، وإلا فهو ملحدٌ بقيمةِ النعمةِ التي بينَ يديه؛ مُلمِّحةً:
(لَمْ يَقُلْ لي:
“صَباحَ الخيرِ”
سأعِيرُهُ مِشْطَ غِيرَتي
كَي يُسرِّحَ بِهِ
شَعْرَ لامُبالاتِهِ
وَكَمْ أخشَى
أنْ يَكونَ
أصلعَ الشَغَفِ)
تلوِّحُ الشاعرةُ للحبيبِ بِيَدٍ ياسمينيةٍ مُهدِّدةً مُتوعِّدةً، وتذكّرَهُ بنعيمِ وجودِها، وحُبِّها الذي يَجبُ أنْ يَظَلَّ مُتأجّجًا في ذاكرةِ القلبِ. أمَّا الإهمالُ، فمَا إنْ يبتدِئ حَتى يُواجَهَ بنسيانٍ لا يَرحمُ؛ فتقولُ:
(إذا قرَّرتُ النسيانَ
كُلُّ قِطاراتِ الحنينِ
لا تَستطيعُ إنزالي
في مَحطّاتِها)
في خِضَمِّ قَسوتِها التي تبتغي مِن ورائِها تربيةَ الحبيبِ المارقِ العاقِّ، تعترفُ الشاعرةُ لَهُ أنَّهُ مَنْ مَلأ حياتَها بأفراحٍ بَعدَ أحزانٍ تمادتْ حولَها، ولَعلَّه يكونُ مَحطةَ فَرحٍ راسخةَ الجذورِ متشعبةَ الفروعِ؛ فتهمسُ:
(في قلبيَ
مِساحاتٌ شاسِعةٌ
مِنَ الحُزنِ
ووحدَهُ
مَنْ زَرَعَها
بالفَرحِ)
مؤكِّدةً لهُ مَكانتَه الكبيرةَ في حياتِها، فهوَ الحبيبُ الذي تركنُ إليهِ عندَ هُبوبِ عواصفِ الحياةِ، لتجدَ فيهِ الأمانَ والطمأنينةَ والسَّلامَ، بِدْءً من نظرتِهِ التي تصِفُها:
(كانتْ نَظْرةٌ مِن عينيهِ
كافيةً
لِيذوبَ الخصامُ
في قَعْرِ قلبي)
في المشهدِ الشِّعريِّ المعاصرِ، تبرزُ مواهبٌ فَذَّةٌ، تُتقِنُ فَنَّ الهمسِ الراسخِ وَسَطَ الضَّجيجِ المُتذبذبِ، ومِنْ هذه المواهبِ نقفُ باحترامٍ جَمٍّ أمامَ موهبةِ الشاعرةِ الوَلَّادةِ (مَيَّادَة مُهَنَّا سُلَيمان) في ديوانِها الشِّعريِّ (يَخلُقُ مِنَ الشَّبَهِ ياسمينَ)، الذي يبدو كرحلةٍ استكشافيةٍ في دهاليزِ الرُّوحِ، حيثُ تتشكَّلُ الصُّورُ الشِّعريَّةُ برَهافةٍ تُشبِهُ بَتلاتِ الياسمينِ، لتخلقَ عالمًا موازيًا من الدهشةِ والشفافيةِ.
هنيئًا لمكتبةِ الأدبِ العربيِّ هذا الفوحُ الأخّاذُ الذي جادتْ بهِ علينا شاعرتُنا العبقريةُ، ابنةُ الشامِ، ولَعَلَّها كَتبتْ باقةً مِنْ ومضاتِ ديوانِها هذا، وهيَ تَنظرُ إلى جبل (قاسيون)، مُحاكيةً شُموخَهُ الأزليَ، مستذكرةً (أبا البقاء عَبد اللهِ البدري)، الذي ذَكَرَ في كتابِهِ (نُزهةُ الأنامِ في مَحاسنِ الشَّامِ)، أنَّ: “مِن مَحاسنِ الشَّامِ (الحَواكير)، وهيَ كالحدائقِ في سَفحِ جَبلِ قاسيونَ، زُرعتْ بالرياحينِ والياسمينِ والأزهارِ المتنوعةِ، ليحملَ مِنها النسيمُ العابرُ طِيْبَ الريحِ، ويسريَ بهِ إلى أماكنَ أخرى مِن المدينةِ”.



