زلزال الخرائط المعاد رسمها حقيقة الضربة الأخيرة وهل انكسرت شوكة الغرب تحت نيران الشرق؟
بقلم م/ سعد محمد العقبي
بينما تنشغل شاشات التليفزيون العالمية بنقل تصريحات الدبلوماسيين المنمقة يغلي مرجل الأحداث خلف الكواليس في مشهد يوحي بأن العالم يلفظ أنفاس النظام القديم ليبدأ فصلا جديدا كتبت حروفه بالنار والبارود. لم تعد الحرب مجرد اشتباك حدودي أو صراع إقليمي بل تحولت إلى مشرط يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي بالقوة حيث لم يعد هناك مكان للمترددين فالمستقبل اليوم يحجزه فقط من يملك القدرة على قراءة المشهد قبل اكتماله.
– معادلة الحسم روسيا وإيران وفرض الأمر الواقع
الحقيقة التي بدأت تفرض نفسها على طاولات صنع القرار في واشنطن وبروكسل هي أن معادلة الحسم قد كتبت بالفعل. لقد نجح التحالف الروسي الإيراني في فرض جزء كبير من شروطه ليس عبر الخطابات بل من خلال الضغط على عصب العالم الحساس الاقتصاد والطاقة. الغرب الذي بدأ يلين لم يفعل ذلك رغبة في السلام بل انصياعا لواقع مرير فمن يسيطر على الموارد يسيطر على القرار.
روسيا دخلت بثقلها وحصدت مكاسب استراتيجية في أوكرانيا وبدأت إشارات رفع الحظر عن بترولها تلوح في الأفق كأول تنازل غربي صريح. أما إيران فكانت تلعب لعبة الصمود الاستراتيجي حيث رفضت وقف الحرب وهي في حالة إنهاك مدركة أن أي تهدئة دون مكاسب اقتصادية تعوض خسائرها تعني انفجارا داخليا قد يطيح بالنظام. لذا اختارت التصعيد لتحصيل الثمن كاملا وهو ما أجبر الخصوم على إعادة الحسابات.
– خطأ الحسابات القاتل حين ارتدت ضربة الطاقة على أصحابها
نقطة التحول الكبرى كانت عندما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل استهداف منشآت الطاقة الإيرانية متوهمين أن طهران ستكتفي ببيانات التنديد. لكن الرد جاء صاعقا ومدروسا بضرب مراكز الطاقة في الخليج والعراق وصولا إلى العمق الإسرائيلي. النتيجة عجز استراتيجي في إمدادات الطاقة قد يمتد من ثلاث إلى خمس سنوات وهو ما أدخل العواصم الكبرى في حالة صدمة وجعل التراجع الأمريكي يبدأ فعليا عبر رفع الحظر عن النفط الإيراني المنقول.
– المسكوت عنه الفضيحة العسكرية والخسائر البشرية
خلف ستار التعتيم الإعلامي ثمة أرقام مرعبة يتم التكتم عليها. بينما تتحدث التقارير الرسمية الإسرائيلية عن آلاف المصابين تشير المعطيات المسربة إلى عشرات الآلاف. والأخطر هو ما كشفته كبريات الصحف الأمريكية مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست حول جنائز سرية لمئات الجنود الأمريكيين.
لقد غيرت إيران تكتيكها فحين نقل الجيش الأمريكي جنوده ودبلوماسييه من القواعد العسكرية المكشوفة إلى فنادق ومجمعات سكنية في دول الجوار ظنا منهم أنها آمنة كانت الاستخبارات الإيرانية ترصد التحرك. الضربات التي استهدفت تلك التجمعات خلفت خسائر بشرية هائلة في الصفوف الأمريكية وهو ما يفسر الضغط الداخلي الكبير في واشنطن لإنهاء هذا الاستنزاف الموجع الذي لا تستطيع الإدارة إعلانه صراحة خوفا من الفضيحة السياسية.
– سلاح الاختراق وفشل القبة الحديدية
على الصعيد العسكري شهد العالم تطورا مرعبا في سلاح المسيرات والصواريخ الإيرانية التي بدأت تستخدم رؤوسا قتالية مخصصة لـ الاختراق العميق. لم تعد القواعد المحصنة أو الدشم التي تحمي الطائرات الإسرائيلية آمنة. تجربة قاعدة فيكتوريا في بغداد التي استهدفت للمرة الواحدة والعشرين بتدمير مخازن ضخمة كانت رسالة واضحة نحن نفكك وجودكم العسكري قطعة قطعة.
– مصر عين الصقر التي تحمي الأمن القومي
وسط هذا الإعصار تتحرك الدولة المصرية بـ صمت القوة. ومن خلال معلومات استخباراتية دقيقة نجحت القاهرة في إحباط مخططات تخريبية كانت تستهدف استقرار دول شقيقة كالإمارات والكويت. الرسالة المصرية هنا واضحة القوة ليست فقط في حشد الجيوش بل في امتلاك المعلومة في الوقت الصحيح. الرؤية المصرية تنطلق من مبدأ ثابت كلما قصر أمد الحرب وكلما ضعف من يهدد استقرار المنطقة زادت قوة مصر وأمنها القومي.
– نظام عالمي جديد يولد من رحم النار
نحن لا نعيش نهاية حرب عادية بل نشهد ولادة نظام عالمي جديد. ترامب يحاول الآن تسويق مشهد النصر تمهيدا لإعلان نهاية العمليات لكن الحقيقة هي أن الجميع يجلس على الطاولة بشروط الشرق لا الغرب. إيران صمدت وفرضت تكلفتها وروسيا ثبتت أقدامها وإسرائيل باتت تواجه وجعا استراتيجيا لم تعهده من قبل.
ستبقى مصر دائما هي مظلة الحماية للأشقاء تسعى لإطفاء النيران بحكمة الكبار وقوة القادرين مدركة أن القادم يتطلب بصيرة نافذة لقراءة ما بين السطور في كتاب التاريخ الذي يكتب الآن بمداد من ذهب ودماء.




