(القيامة في الفن والأدب: تأملات في المعنى)
كتبت أ.د.إلهام سيف الدولة حمدان

أ.د.إلهام سيف الدولة حمدان
يمثل عيد القيامة واحدًا من أكثر الرموز الإنسانية كثافة وامتدادًا في التاريخ الثقافي، إذ لم يظل محصورًا في نطاقه الديني فحسب، بل تحول عبر القرون إلى مفهوم جمالي وفلسفي وأدبي يعبر عن واحدة من أعمق ثنائيات الوجود الإنساني: الموت والحياة، الانكسار والتجدد، النهاية والبداية.
فالقيامة، في جوهرها الرمزي، ليست حدثًا زمنيًا يُروى، بل بنية فكرية تعيد تشكيل وعي الإنسان بالعالم. وهي — كما يشير الفيلسوف بول ريكور في حديثه عن الرموز — ليست مجرد “معنى مباشر”، بل طاقة تأويلية مفتوحة تعيد إنتاج الدلالة عبر الزمن والسياق.
في هذا السياق، لم يكن الفن يومًا مجرد ناقل لهذا الرمز، بل كان مفسّرًا له ومُعيدًا إنتاجه بصريًا. ففي الفن التشكيلي الغربي، خصوصًا عند **مايكل أنجلو** و**رافاييل**، تظهر القيامة بوصفها لحظة ضوء كثيف يقتحم العتمة، حيث يتحول الجسد إلى مركز توتر بين الأرضي والروحي، وبين الفناء والخلود. وفي لوحة “القيامة” للفن الإيطالي الكلاسيكي، لا نرى حدثًا بقدر ما نرى “انفجار معنى” يتجاوز السرد إلى التأمل.
ويذهب **فان جوخ** لاحقًا — وإن بشكل غير مباشر — إلى تحويل فكرة القيامة إلى لغة ضوء داخلي، حيث تصبح الألوان نفسها مساحة للبعث النفسي، وكأن اللوحة كلها محاولة دائمة لخلق حياة جديدة من قلب العتمة.
أما في الأدب، فقد اتسعت الدلالة بشكل أكبر، لتغادر الإطار الديني نحو الفضاء الإنساني العام. فـ**دستويفسكي** في “الأخوة كارامازوف” يربط فكرة الألم بالخلاص الداخلي، ويجعل من المعاناة بوابة لإعادة اكتشاف المعنى، وهو ما يمكن قراءته بوصفه “قيامة نفسية” داخل النص.
وفي الأدب العربي الحديث، نجد عند **نجيب محفوظ**، خصوصًا في تحولات شخصياته بين الانكسار وإعادة التشكل، ما يشبه البنية الرمزية للقيامة، حيث لا يكون التغيير حدثًا خارجيًا بل تحوّلًا داخليًا في الوعي والاختيار.
ومن اللافت أن هذا الرمز لم يعد حكرًا على النصوص الدينية أو الأدب الكلاسيكي، بل امتد إلى الفلسفة والفكر الحديث، حيث يشير **نيتشه** في فكرة “الإنسان المتحول” إلى أن الكائن البشري ليس حالة ثابتة، بل مشروع دائم التكوين وإعادة الخلق.
وفي الفنون الحديثة، خصوصًا بعد تحولات القرن العشرين، أصبح الرمز أكثر تجريدًا. لم تعد القيامة تُرسم كحدث، بل كإحساس: الضوء في مواجهة الفراغ، الحركة في مواجهة السكون، أو حتى الصمت بوصفه لحظة ما قبل الانفجار، كما في التجريد عند **كاندينسكي** الذي جعل اللون صوتًا، والحركة معنى غير مرئي.
إن قوة هذا الرمز تكمن في أنه لا يقدم إجابة نهائية، بل يطرح سؤالًا مفتوحًا: هل يمكن للحياة أن تُستعاد بعد الانكسار؟
وفي هذا الإطار، يصبح عيد القيامة أكثر من مناسبة دينية، بل لحظة ثقافية كبرى تعيد تذكير الإنسان بأن النهاية ليست دائمًا خاتمة، وأن الألم ليس نقطة توقف، بل قد يكون بداية لمسار آخر أكثر وعيًا وعمقًا.
وكل عام واخوتنا قسيم الوطن بألف خير وسلام بمناسبة حلول عيد القيامة المجيد.
