“رحلة العودة إلى الماضي… النكوص”

(عندما يتراجع الكبير ليصبح طفلاً من جديد)

“رحلة العودة إلى الماضي… النكوص”

(عندما يتراجع الكبير ليصبح طفلاً من جديد)

بقلم: د/سارة العناني

(الحلقة التاسعة من سلسلة: آليات الدفاع النفسي)

مقدمة:

تخيل رجلاً في الأربعين من عمره، مدير ناجح في شركته. يمر بيوم عصيب، يخسر فيه صفقة كبيرة. يعود إلى المنزل، فيجد العشاء متأخراً. فجأة، ودون سابق إنذار، يلقي بحقيبته على الأرض، ويركل الكرسي، ويصرخ في زوجته: “أنتِ لا تهتمين بي! أنا لا أجد من يرعاني!” ثم يذهب إلى غرفته، ويرتمي على السرير، ويرفض أن يأكل.

هل هذا المدير يتصرف كرجل في الأربعين؟ أم كطفل في الرابعة؟

هذا هو “النكوص” (Regression). واحدة من أكثر آليات الدفاع النفسي شيوعاً في حياتنا اليومية، ومع ذلك لا ننتبه لها.

إنها ليست مجرد “تصرف طفولي”… إنها رحلة عقلية لا إرادية إلى الوراء.

إلى زمن كان فيه الأمان. إلى زمن كان فيه الشخص “يُحمل” بدلاً من أن “يَحمل”.

بعد أن تعرفنا إلى:

1. ✅ الإنكار

2. ✅ الإسقاط

3. ✅ التبرير

4. ✅ الإزاحة

5. ✅ التشكيل العكسي

6. ✅ الكبت

7. ✅ الانعزال العاطفي

8. ✅الانفصال(الانشقاق)

الذي ينفصل فيه العقل عن الواقع بالكامل سنتعلم اليوم كيف يعود إلى الماضي،إلي الوراء، إلى مرحلة كان فيها كل شيء أسهل.

أولاً:

ما هو “النكوص”؟

النكوص هو آلية دفاع لا واعية، يقوم فيها الشخص (عادة تحت ضغط هائل أو إحباط أو تهديد) بالتراجع إلى مرحلة نفسية سابقة من مراحل النمو.

إنه العودة إلى أنماط سلوكية وعاطفية طفولية كانت توفر له الأمان والحماية في ذلك الوقت.

ببساطة:

العقل الباطن يقول:

“أنا لا أستطيع تحمل كوني بالغاً الآن، كوني بالغاً يعني مسؤولية وألماً وضغطاً لا أستطيع تحمله سوف أعود حقاً للوراء يجب أن أكون طفلاً.

فالأطفال لا يتحملون المسؤولية، الأطفال يُعتَنى بهم.”

ثانياً:

كيف يبدو النكوص في حياتنا اليومية؟

النكوص ليس نادراً؛ فنحن نراه كل يوم، لكن لا نعرف اسمه.

مثال:
· الموظف المنهار:

موظفة في الثلاثين، تتلقى نقداً بسيطاً من مديرها. فجأة، تنهار في البكاء الشديد، وتقول بصوت طفولي: “أنتم لا تحبونني! أنتم دائماً ضدي!”

· الأب الغيور:

رجل بالغ، عندما يولد له طفل جديد، ويشعر أن انتباه زوجته أصبح على الرضيع، يبدأ فجأة في التصرف بتملل، يطلب الاهتمام، ويمرض بشكل متكرر، كأنه يريد أن يُعتنى به هو أيضاً.

· المريض الطفولي:

شخص بالغ يدخل المستشفى لإجراء عملية بسيطة. فجأة، يتحدث بصوت طفولي للممرضات، يطلب أن تمسك أمه بيده (وهو رجل في الخمسين!)، ويشكو بشكل مبالغ فيه.

· المراهق المتأخر:

في أوقات الشجار الزوجي، يعود الزوجان فجأة للتصرف كمراهقين؛ إغلاق الأبواب بقوة، الصمت العقابي، عبارات مثل “أنا مش هكلمك تاني!” وغير ذلك من الامثله التي موجوده بكثرة ولا ندرك انها نكوص

ثالثاً:
الفرق بين النكوص والانهيار العادي

 

· الانهيار الطبيعي:

شخص بالغ يواجه مشكلة، يشعر بالحزن أو الغضب، لكنه يعبر عن ذلك بطريقة ناضجة (كلام مباشر، طلب مساعدة، بكاء محترم).

· النكوص:

نفس الشخص، لكنه فجأة يتحدث بصوت طفل، يستخدم كلمات طفولية، يبحث عن “حضن” بطريقة طفولية، وقد يلجأ لسلوكيات الطفولة المبكرة (مص الإصبع، التبول اللاإرادي في الحالات الشديدة، التعلق الشديد).

 

هنا لا يكمن الفرق في المشاعر… المشاعر واحدة. الفرق هو” السلوك”.

في النكوص، نتصرف كما كنا نتصرف ونحن أطفال عندما كنا خائفين او غاضبين او متألمين او حتي أثناءالمرض. لأنه في وقت ما في طفولتنا… هذا التصرف أنقذنا وجلب لنا الرعاية.

رابعاً:

هل النكوص سيء دائماً؟

المفاجأة هي:

لا. النكوص ليس دائماً مرضياً.

· النكوص الإيجابي المؤقت: عندما يلعب أب مع ابنه الصغير على الأرض، ويتصرف كالأطفال، هذا نكوص صحي؛ إنه عودة مؤقتة للطفولة للترفيه والتواصل، الضحك، اللعب، “الشقاوة” مع شريك الحياة… كل هذا نكوص صحي ومفيد للصحة النفسية.

· أما النكوص السلبي المزمن: عندما يصبح النكوص هو أسلوب الحياة.

شخص يرفض تحمل المسؤولية، يلوم الآخرين دائماً، ينتظر أن يأتي من “ينقذه”. هذا هو الخطر.

خامساً:

كيف نتعامل مع النكوص؟

1. الوعي أولاً:

إذا وجدت نفسك فجأة تتصرف بطريقة طفولية، اسأل نفسك: “كم عمري الآن؟” هذا السؤال البسيط يعيد الدماغ إلى الواقع.

2. تلبية الاحتياج الحقيقي:

الطفل الداخلي الذي يصرخ فيك لا يريد “لعبة”… إنه يريد الأمان؛ يريد أن يسمع منك أنت البالغ: “أنا هنا. أنا قوي. أنا سأحميك.”

وهذا ما ندرب عليه العميل في ” Schema therapy ”

ونخرج من داخله الراشد الصحي اثناء قيام المعالج بدوره في التربيه المحدوده.

3. طلب المساعدة:

إذا كان النكوص متكرراً ويعطل حياتك، فالمعالج النفسي يمكنه أن يساعدك في “تربية” طفلك الداخلي، بدلاً من أن تتركه هو من يقود حياتك.

إنتبه…..

“الطفل الذي يسكننا”

في رحلتنا مع آليات الدفاع النفسي، “النكوص” هو الآلية التي تذكرنا أننا، مهما كبرنا، لا نزال نحمل بداخلنا ذلك الطفل الصغير؛ الطفل الذي خاف ف اترسمت داخل عقله خارطة تقول أن العالم مكان غير آمن؛ الطفل الذي تضور جوعاً من قلة الحب ولم يستطع حتى أن يتذوقه؛ الطفل الذي تعلم أن البكاء بصوت عالٍ هو الطريقة الوحيدة ليُسمع. وأن الضرب بالأقدام علي الأرض هي الوسيلة لجذب الإنتباه

 

_كيفية العلاج من النكوص؟

علاج النكوص ليس بطرد الطفل الداخلي أو قمعه… بل بطمأنته؛ أن تقول له بصوتك أنت، بصوتك البالغ: “شكراً لك لأنك حميتني في الماضي. شكراً لك لأنك نجوت بي؛ لولاك ما كنت انا هنا و لكن حان الوقت أن تستريح؛ أنا هنا بجوارك أمسك يدك لنكمل طريقنا سوياً.

أنا الأن أصبحت بالغاً؛ قادراً علي حمايتك؛ أنا سأتولى الأمر الآن؛ما عليك سوى أن تمسك بيدي ولا تتركها مهما حدث.”

تذكر…..

نحن ورثة ماضينا. ورثة طفولتنا؛ لكننا لسنا سجناءها. أن نكبر… يعني أن نتعلم كيف نرعى ذلك الطفل، بدلاً من أن نتركه يقود السفينة وسط العاصفة وهو لا يعرف ماذا يفعل؟ وإلي أي وجهة يتجه؟ وإلي أي ركن آمن يأوى؟.

وختاماً…….

ليس المطلوب منك أن تكبر… المطلوب منك أن ترعى الطفل السجين في داخلك ولم تسمح له الظروف أن يكبر بعد.

وللعيش حياة أفضل من ذي قبل تذكروا شعارنا…..

“الوعي = حياة.”
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى