الثلاثية المحظورة ما لا يُقال عن “النفس والجسد والرغبة” وما يجب أن يُقال

(الخاتمة الكبرى لسلسلة الاضطرابات الجنسية ورسالة أمل لكسر الوصمة)

الثلاثية المحظورة… ما لا يُقال عن “النفس والجسد والرغبة” وما يجب أن يُقال

(الخاتمة الكبرى لسلسلة الاضطرابات الجنسية ورسالة أمل لكسر الوصمة)

بقلم: د/ سارة العناني

لماذا “الثلاثية المحظورة”

في رحلة امتدت على مدار أسابيع فتحنا معًا – بقدر من الجرأة والعلم – ثلاثة ملفات تُعد من أشد الملفات حظرًا في مجتمعاتنا العربية. تحدثنا فيها عن الاضطرابات الجنسية وعن الانحرافات الجنسية وعن اضطراب الهوية الجنسية. لذلك اخترت لها اسمًا واحدًا يجمع هذه الملفات سويًا وهو: “الثلاثية المحظورة”. فهي ليست محظورة لأنها عيب أو حرام بل لأنها:

محظورة عن الحديث: بسبب وصمة العار والخوف من كلام الناس.

محظورة عن الفهم: بسبب الخلط بين المرض النفسي والانحلال الأخلاقي.

محظورة عن العلاج: بسبب جهل المريض بوجود حل أو خوفه من طلب المساعدة.

واليوم ونحن نختم هذه السلسلة أريد أن أوجه رسائلي الأخيرة. هذه المرة ليس لمصاب بعينه بل لنا جميعًا: للمريض وللأسرة وللمجتمع ولصانع القرار.

أولًا:

الخيط المشترك هو الألم الصامت

هل تعرفون ما الذي جمع الحالات الثلاث التي ناقشناها؟ إنه ليس “الشذوذ” كما يحب البعض تسميته بشكل خاطئ. ولكن يجب أن نلقبه بـ: “الألم/الصراع/الشعور بالوحدة”.

المصاب بـ البارافيليا (الانحرافات الجنسية) لا يختار أن ينجذب لأشياء أو مواقف غير نمطية. هو يعيش في صراع يومي بين رغباته وشعوره بالذنب بين اندفاعه وخوفه من الفضيحة.

المصاب بـ اضطراب الهوية الجنسية لا يدّعي أو يتمرد. هو يشعر في أعماق روحه أنه سجين في جسد لا يعترف به وأن مرآته تعكس شخصًا غريبًا عنه كل صباح.

المصاب بـ اضطراب الهوية الجنسية “السلوك الجنسي القهري” ليس “مستهترًا” أو “ضعيف الإيمان” بالضرورة. هو أسير لدائرة من الأفكار والأفعال القهرية التي تعطل حياته وتدمر علاقاته.

الخيط المشترك الحقيقي: اضطراب نفسي حقيقي يحتاج إلى فهم لا إلى لعنة. يحتاج إلى علاج لا إلى عقاب.

ثانيًا: رسالتنا الثلاثية

1. رسالة إلى المريض:

“لستَ وحدك والعلاج طريق آمن”

أخي أختي… أعلم أنك تقرأ هذه الكلمات وقلبك مثقل بالخوف. تخاف من نظرة المجتمع وتخاف من كلام أهلك وتخاف أن تكون “إنسانًا سيئًا”.

اسمعني جيدًا:

أنت لست “سيئًا” أنت إنسان تعاني من مرض. كما يتعب الجسد تتعب النفس. وكما تذهب للطبيب حين يؤلمك قلبك تذهب للطبيب النفسي حين يؤلمك عقلك أو سلوكك أو مشاعرك.

العلاج موجود لكن القاعدة تقول: “العلاج لمن يرغب العلاج”.

فطرق العلاج متعددة وأثبتت فعاليتها لأن الهدف من العلاج النفسي أن تعيش حياة آمنة وكريمة لا تؤذي فيها نفسك ولا غيرك.

لا تستسلم للعار فالعار هو السم الذي يمنعك من طلب النجدة.

كسر حاجز الخوف والذهاب إلى عيادة نفسية هو أشجع وأقوى قرار يمكنك اتخاذه.

وكما ذكرت في المقال السابق: “ليست خطأك وحدك لكن حلها بيديك”.

2. رسالة إلى الأسرة:

“كيف تكونون درعًا لا سيفًا؟”

أيتها الأم أيها الأب أيها الزوج أيتها الزوجة…

أتفهم تمامًا مشاعر الصدمة والغضب والخوف التي قد تنتابكم إذا اكتشفتم أن أحد أفراد أسرتكم يعاني من أحد هذه الاضطرابات. مجتمعاتنا تغرس فينا أن هذه الأمور “عار” يجب إخفاؤها أو قمعها بالقوة.

لكن اسألوا أنفسكم: حين يمرض أحد أبنائكم أو عزيز لديكم بمرض من الصعب علاجه لكنه ليس مستحيلًا ماذا تفعلون؟؟؟؟

تبحثون له عن أفضل طبيب وتستمرون في السعي وتطرقون جميع الأبواب حتى تحصلون على النتيجة المُرضية وهي الشفاء…..

وكذلك الاضطرابات النفسية والجنسية ليست مختلفة. هي أمراض تحتاج إلى علاج.

لا تنبذوهم ولا تكونوا لهم سوطًا يجلد روحًا أصلًا منهكة.

تقبلوهم ثم اسعوا للعلاج. التقبل لا يعني الموافقة على كل السلوكيات.

التقبل يعني أن تقول لابنك أو ابنتك: “أنا أحبك رغم مرضك وسأقف معك في رحلة علاجك”.

اطلبوا المساعدة بأنفسكم. أنتم أيضًا بحاجة إلى إرشاد نفسي لتعرفوا كيف تتعاملون مع الموقف.

لا تخجلوا من الذهاب إلى متخصص لتتعلموا كيف تكونون سندًا حقيقيًا.

كونوا درعًا يحمي لا سيفًا يقتل.

٣. رسالة إلى المجتمع وصناع القرار:

“الجهل هو العدو لا المريض”

أيها المجتمع… استفق.

أتدرك حجم الكارثة الصامتة التي نعيشها؟

كم من شاب دخل في دوامة الاكتئاب والإدمان لأنه لم يجد من يفهم معاناته؟

كم من فتاة كتمت سرًا يؤلمها سنينًا لأنها تخاف من “الفضيحة”؟

كم من طفل تعرض لاعتداء جنسي ولم يتكلم لأن المجتمع لا يريد أن يسمع عن هذه “المناطق المحظورة”؟

كم من أسرة تفككت لأن الوالدين لم يعرفا كيف يتعاملان مع ابن مختلف؟

وكم وكم وكم؟

اعلموا أن العدو الحقيقي ليس المريض.

العدو الحقيقي هو الجهل.

للإعلاميين وصناع المحتوى: توقفوا عن الإثارة الرخيصة. بدلًا من نشر قصص “الفضائح” التي تدمر أسرًا بأكملها انشروا الوعي.

استضيفوا أطباء نفسيين محترمين.

علموا الناس الفرق بين المرض والانحلال بين العلاج والعقاب.

للمؤسسات الدينية: علموا الناس بأن “العلاج يكون بالتقوى فقط” غير كافٍ وخطير.

التقوى أساس لكنها لا تعالج كيمياء الدماغ وحدها.

كما نأخذ الدواء لأي داء مع الدعاء واليقين باستجابة الدعاء يجب أن نأخذ الدواء النفسي مع التقوى وأيضًا اليقين بالشفاء.

افتحوا أبواب المساجد والكنائس لجلسات توعية حقيقية ووجهوا الناس إلى طلب المساعدة المتخصصة دون خوف من “العار”.

لوزارات الصحة والتعليم: أدرجوا التوعية بالصحة النفسية والجنسية في المناهج الدراسية (بشكل مناسب لكل عمر).

دربوا الأطباء والممرضين والمعلمين على اكتشاف علامات الاضطراب مبكرًا.

وفروا عيادات نفسية متخصصة بتكلفة معقولة واجعلوا الرقم الساخن للدعم النفسي معروفًا مثل رقم الإسعاف تمامًا.

وختامًا:

“استقيموا…. يرحمكم الله”

“استقيموا… ونحن معكم”

فوالله لن يستقيم المجتمع دون الاعتراف بالخلل وإيجاد الحلول المناسبة لإعادة معالجة هذا الخلل المجتمعي.

وتذكر…..

أن الاستقامة مطلب…. والتدين الحق هو الذي يدفع صاحبه إلى طلب العلاج والشفاء لا إلى الاستسلام للمرض أو الانتحار تحت وطأة اليأس.

فالاستقامة لا تعني أن نخفي رؤوسنا في الرمال ولكنها تعني أن نواجه مشاكلنا بشجاعة ونطلب العون من الله ومن العلم ومن متخصص.

الاستقامة تعني أن نمد أيدينا للمريض لا أن نشير إليه بأصابع الاتهام.

أربع سنوات… كنت أستعد لهذه اللحظة.

أربع سنوات… كنت أجمع العلم وأصقل الكلمات وأبحث عن التوقيت المناسب.

وها هو الوقت قد جاء.

أشكر كل من قرأ هذه السلسلة حتى النهاية.

أشكر كل أم وأب ومريض ومهموم وجد في كلماتي عزاءً أو أملًا أو مجرد شعور بأنه “ليس وحده”.

سلسلة “الثلاثية المحظورة” قد تنتهي هنا لكن الرحلة الحقيقية تبدأ الآن: رحلة العلاج رحلة الفهم رحلة بناء مجتمع أكثر رحمة وعلمًا.

“وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” (المائدة: ٣٢)

دمتم بخير ودام الأمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى