لا تراهن على أحد : فلسفة الاكتفاء والتحرر من سقف التوقعات.

مقال إجتماعي


لا تراهن على أحد : فلسفة الاكتفاء والتحرر من سقف التوقعات.

بقلم د/ اسلام غنيم

​في رحلة الحياة الممتدة، يميل الإنسان بطبعه الاجتماعي إلى بناء جسور من الثقة مع الآخرين، وهو أمر فطري وضروري لاستمرار العجلة الإنسانية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الثقة إلى “رهان” كامل، وحين يضع المرء ركائز استقراره النفسي، أو نجاحه المهني، أو حتى سعادته اليومية، في يد شخص آخر. إن مقولة “لا تراهن على أحد” ليست دعوة للتشاؤم أو الانعزال، بل هي صرخة وعي تدعوك لاستعادة ملكية ذاتك.

ف​العلاقات البشرية بطبيعتها متغيرة، تحكمها الظروف، والمصالح، والتحولات النفسية. و عندما تراهن على بقاء شخص ما إلى الأبد، أو على دعمه المطلق لك في كل العثرات، فإنك ضمنياً تمنحه القدرة على هدمك بمجرد أن يغير موقفه. إن الخيبة لا تأتي من الآخرين بقدر ما تأتي من “سقف التوقعات” الذي بنيناه نحن فوق رؤوسهم.

​لماذا الرهان على الآخرين خاسر؟

​التحول سمة البشر: الإنسان كائن يتطور، يغير أفكاره، وأولوياته. الشخص الذي كان يمثل لك الأمان بالأمس، قد يبحث اليوم عن أمانه الخاص بعيداً عنك.

​استنزاف القوة الذاتية: الرهان على الغير يجعلك في حالة انتظار دائمة. انتظار للتقدير، للفرص، أو للدعم، مما يعطل محركك الداخلي عن العمل.

​هشاشة الاستقرار: إذا كان نجاحك مرهوناً برضا مدير، أو سعادتك مرهونة بوجود شريك، فإن استقرارك يصبح رهينة لظروف خارجة عن إرادتك.

​إن القاعدة الذهبية في عالم الاستثمار النفسي تقول: “راهن على نفسك فقط”.

​راهن على مهاراتك: فهي التي ستبقى معك حين يغادر الجميع.

​راهن على مرونتك: قدرتك على النهوض بعد كل سقطة هي الضمان الحقيقي الوحيد.

​راهن على وعيك: الذي يجعلك تفرق بين من يستحق الثقة وبين من هو مجرد عابر سبيل في محطة من محطات حياتك.

​كيف تعيش بلا رهانات خاسرة؟

​أن لا تراهن على أحد لا يعني ألا تحب، أو ألا تتعاون، أو ألا تصادق. بل يعني أن تضع لكل شخص حجمه الطبيعي في حياتك. كن كالشجرة التي تمتد جذورها في الأرض (ذاتك)، بينما تتبادل الثمار والظل مع العابرين. إذا رحل أحدهم، تظل الشجرة واقفة، لأنها لم تكن تستمد ثباتها من استنادهم عليها، بل من عمق جذورها.

في النهاية إن أقصى درجات الحرية هي أن تصل إلى مرحلة من التصالح مع الذات، حيث يكون وجود الآخرين في حياتك “إضافة” جميلة، وليس “شرطاً” للبقاء. لا تضع بيض أحلامك في سلة غيرك، وامضِ في طريقك مؤمناً بأنك القوة الأساسية والمحرك الأول لمصيرك. في نهاية المطاف، أنت الشخص الوحيد الذي سيخوض معك كل معاركك حتى النهاية.


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى