الذكاء الوجداني وتنظيم المشاعر
الذكاء الوجداني

د/ عصمت ماهر
لماذا ينجح بعض الناس في النجاة من أنفسهم… بينما يغرق آخرون داخل شعور واحد؟
ليست القوة الحقيقية أن لا تشعر.
وليست الحكمة أن تُخفي ألمك جيدًا.
بل أن تفهم ما يحدث داخلك… قبل أن يتحول شعور عابر إلى كارثة كاملة.
هناك أشخاص تنهار أيامهم بسبب كلمة.
وآخرون تمر عليهم العواصف النفسية…
ثم يخرجون منها أكثر هدوءًا ونضجًا.
الفرق غالبًا ليس في الظروف.
بل في شيء أعمق اسمه…
الذكاء الوجداني
وهو أن تستطيع قراءة نفسك كما يقرأ الطبيب الأشعة.
أن تفهم:
لماذا غضبت؟
لماذا خفت؟
لماذا شعرت بالرفض رغم أن أحدًا لم يرفضك فعلًا؟
معظم الناس لا يعيشون مشاعرهم…
بل تُديرهم مشاعرهم.
يغضب فيتكلم.
يخاف فيهرب.
يحزن فيؤذي نفسه أو غيره.
ثم يقول:
(هذا طبعي)
لكن الحقيقة أن كثيرًا مما نسميه طبعًا…
هو مجرد مشاعر غير مفهومة.
الطفل حين يبكي يعتقد أن العالم انتهى.
لأنه لا يعرف كيف يحتوي شعوره.
وبعض الكبار…
ما زالوا يفعلون الشيء نفسه،
لكن بطرق أكثر أناقة.
أحدهم يصمت أيامًا بدل البكاء.
آخر يتحول غضبه إلى سخرية مؤذية.
وآخر يهرب إلى العمل، أو الهاتف، أو العلاقات…
فقط كي لا يجلس وحده مع نفسه.
الذكاء الوجداني لا يمنع الألم.
لكنه يمنع الألم من قيادة حياتك.
في علم النفس هناك فكرة مهمة جدًا:
أن المشاعر مثل الموج.
إذا قاومتها بعنف أغرقتك،
وإذا فهمت حركتها… تعلمت كيف تعبرها
وهذا المنحني يشبه المشاعر البشريه احيانا…
تعلو بعنف…
ثم تهدأ تدريجيًا إذا لم نُشعلها بأفكارنا.
المشكلة أن العقل لا يكتفي بالشعور،
بل يبدأ بصناعة القصص حوله.
تشعر بالحزن…
فيقنعك أنك فاشل.
تشعر بالرفض…
فيقنعك أنك غير محبوب.
تشعر بالخوف…
فيصور لك المستقبل كأنه كارثة قادمة.
وهنا تبدأ المشاعر بالتحول من “إحساس” إلى “هوية”.
فتقول:
أنا عصبي.
أنا ضعيف.
أنا مكتئب.
أنا لا أستحق.
بينما الحقيقة أنك ربما فقط…
مرهق نفسيًا منذ وقت طويل.
كان Daniel Goleman يرى أن النجاح في الحياة لا يعتمد فقط على الذكاء العقلي،
بل على قدرة الإنسان على فهم نفسه وتنظيم عواطفه والتعامل مع الآخرين بوعي.
لأن الإنسان الذي لا يفهم مشاعره…
قد يدمر أهم علاقاته في لحظة انفعال واحدة.
كم شخص خسر حبًا لأنه لم يعرف كيف يعبّر؟
وكم شخص خسر نفسه لأنه كبت كل شيء حتى انفجر؟
تنظيم المشاعر لا يعني أن تصبح باردًا.
بل أن تصبح واعيًا.
أن تقول:
أنا غاضب الآن… لذلك لن أتخذ قرارًا.
أنا مجروح…
لذلك رؤيتي للأمور ليست واضحة.
أنا خائف…
وليس بالضرورة أن يكون الخطر حقيقيًا.
وهذه الجملة وحدها قد تنقذ حياة كاملة.
لأن أخطر لحظات الإنسان…
هي اللحظات التي يعتقد فيها أن شعوره الحالي هو الحقيقة المطلقة.
لكن المشاعر تتغير.
والعواصف تمر.
وما بدا نهاية العالم أمس…
قد يصبح بعد سنة مجرد ذكرى بعيدة.
النضج النفسي الحقيقي
ليس أن لا تبكي،
ولا أن تبدو قويًا أمام الجميع.
بل أن تصبح قادرًا على الجلوس مع نفسك دون حرب.
أن تفهم أن داخلك طفلًا خائفًا أحيانًا،
وإنسانًا متعبًا أحيانًا،
وروحًا تحتاج الرحمة أكثر مما تحتاج القسوة.
فالإنسان الذي يتعلم كيف يحتوي مشاعره…
لا ينجو فقط من العالم،
بل ينجو من أخطر شيء فيه
نفسه حين تفقد السيطرة.
