“قسوة الابنة الضالة “

مقال اجتماعي

بقلم د/وليد عبد اللة أحمد

في زوايا بيت صغير ، يحمل على جدرانه شقوق الزمن وتعب الأيام وشقى ومرارة السنين …

وتفاصيل كفاح أسرة تنتمي للطبقة المتوسطة، كانت تدور احداث هذة القصة الحقيقة المأساوية مع ذالك الأب المكلوم … رجل أفنى زهرة شبابه وحياته بين أروقة الوظيفة، يحسب حسابته بدقة ليعبر بأسرته إلى بر الأمان. ولكن في قلب هذا البيت، نبتت زهرة غريبة الأطوار والصفات ، الابنة الكبرى “م. أ”.

فتاة نشأت وترعرعت في هذا البيت البسيط، لكن عينيها كانتا معلقتين دائماً في السماء . جميع أصدقاؤها ومحيطها من طبقات اجتماعية عالية ، مما خلق بداخلها فجوة بين واقعها المحدود وخيالها الجامح وطموحها الذى بلا حدود . لم ترى في تضحيات والديها حباً ولا تعاطف ، بل رأت فيها عجزاً؛ فعاشت مستوىً اجتماعياً زائفاً، تضغط به على عصب أسرتها المنهك.

في إحدى الليالي، بلغ الاحتقان ذروته. وقفت “م. أ” بكامل أناقتها المبالغ فيها، تنظر لوالدها باحتقار، وكلماتها تخرج كسهام مسمومه ..

” اريد ان اعرف لماذا جئتوا بيا إلى الحياة ؟ لماذا هذا الفقر الذى نعيش فيه ، لماذا انت يا أبى لم تكون غنيا مثل باقى الآباء …لماذا لم اعيش مثل صديقاتى… الم ترى أن والد صديقتى (س. ن) اشترى لها سيارة تكون تحت امرها فى اى وقت وتذهب بها حيث تشاء … إنت لم تشترى لى حتى دراجه ؟!”.

هنا تسمر الأب في مكانه. لقد نزلت هذة الكلمات على قلبه كصخرة هوت من جبل. ابتلع غصة مريرة، وعيناه تفيضان بانكسار السنين، ورد بصوت متهدج:

“يا بنتي، أنا راجل شريف عملت فى إحدى الشركات براتب محدود لكى استطيع ان البى احتياجات الحياة. وان اربيكم تربية صالحه … وللعلم جزء كبير من الراتب يذهب لكى انتى بالتحديد … لكى البى طلباتك اتى ارهقتنى ، واظلم إخواتك الصغار ! كما تشتكيلي منك والدتك ، إنك تسيئ معاملتها وكأنها خادمة لديكى، تطلبي منها طلبات كثيرة وهى الان امرأة مسنه تحتاج إلى الرعاية والاهتمام .”

ابتسمت الفتاة ببرود يعكس تبلداً عاطفياً ، وردت :

” نعم هي من يخدمني…

 أنا ملكة متوجة! غدا تسرى بعينك كيف سيكون مستقبلى ونجاحى فى الحياة . احب اذكرك أن كل الأموال التى انفقتها… سادفعها لك بالكامل ، لكى لا تتحدث مع هكذا مرة أخرى … وانتى استغرب جدا من شجاعتك انك فقير جدا ومع ذلك تزوجت وضيق الحال ومع ذلك انجبت … اين كان عقلك يا أبى ….

لم يتحمل الأب هذا الجحود، وتلك الكلمات الجارحه … فصرخ الاب المكلوم الذي ذُبح بسكين بارد من ابنته:

” هل انتى تحملينى مسؤولية إني انجبتك؟ ولا تتذكرى ما فعلناه من اجلك ؟ وانتى كنتى طفلة صغيرة كنا نسهر من اجلك وكنا نذهب بكى إلى افضل الاطباء حين تمرضين ونشترى لكى العلاج وافضل الطعام لأجلك .. لقد وفقنى الله أن اعلمك فى افضل الجامعات، وافضل الثياب … والآن هكذا يكون رد الجميل ؟!”

هنا، تجلت أبشع صور النكران الجميل والمشاعر والأحاسيس. وقالت بصوت صاخب :

هكذا دورك كأب … اى اب يفعل ذلك هذا دورك! وان لم تكون تستطيع أن تلبى ليا احتياجاتى فمن سيلبيها ..

انت المسؤل عن تلبيه احتياجات … وان لم تفعل لماذا انجبتنى من البداية انت ملزم بكل ما احتاجه حتى اتزوج فأنا أبنتك. وان لم تفعل ذلك ساذهب لاعيش مع صديقاتى الاغنياء…. للعلم أن أعرف علاقات كتير من رجال آخرون يستطيعون القيام بدورك دون عناء .. وبسبب جمالى واناقتى سأقابل يوما رجلا غنيا يتزوجنى ويعطيك كل الاموال التى تتحدث عنها … انت لا ترى جمالي وانوثتى ؟ كل الرجال فى سباق لكى يتقربوا إليا وكفى هراءا من هذا الكلام الذى ليس له جدوى !”

ساد صمت مميت في الغرفة. نظر الأب إليها، وقد بدت عليه فجأة علامات كبر السن، الشيب، الحسرة، والألم. صدمة العمر في ابنته البكر التي تحولت إلى مسخ خالٍ من الرحمة، الأخلاق، والأدب. انحنى ظهره وكأن سنوات عمره تضاعفت في لحظة واحدة….

انتظروا فى الجزء الثاني

ماذا تخبئ الأيام لتلك الفتاة المغرورة “م. أ”؟ وما هي قصتها المنتظرة مع رجل الأعمال “ص. ن”؟

ماهو دوافع هذا الشخصية ( الفتاة )

نحن أمام شخصية تعاني من “استحقاقية مفرطة وسمات نرجسية “. اعتمدت كلياً على مظهرها الخارجي (الجمال والانوثة والكاريزما) لاستحقاق الزائد ومتضخمة الذات مع هشهشة نفسية من الداخل. تفتقر تماماً للذكاء الوجداني والتعاطف (Empathy)، وتستخدم حيل عدم التكيف النفسى “الإنكار والإسقاط” الن فهي تنكر تضحيات والديها لتبرر قسوتها، وتسقط شعورها بالنقص (النابع من مقارنتها المستمرة بصديقاتها الثريات) على والدها، محملة إياه ذنب فقرها الموهوم. هي شخصية استغلالية ترى الآخرين—حتى والديها—كأدوات لخدمتها (ملكة متوجة)، وتزن العلاقات بميزان مادي بحت بعيداً عن أي عمق روحي أو عاطفي.

 دروس مستفادة من الجزء الأول

1. خطر التدليل المفرط وتلبية كل الرغبات:

التدليل يخلق شخصية أنانية تعاني من الاستحقاقية المفرطة المرضية، حيث يعتقد الابن أن العالم كله مدين له، وأن ما يحصل عليه هو حق مكتسب لا يستوجب الشكر.

2. أهمية المصارحة المالية والمشاركة الأسرية:

عدم مشاركة الأبناء حجم المعاناة المادية وتلبية احتياجاتهم بالخفاء دون علمهم بجهد الآباء، يجعلهم يطلبون المزيد بلا توقف وبدون أي إحساس بالذنب أو التقدير.

3. التراحم الأسري هو الأساس:

الأسرة كيان يقوم على التراحم المتبادل لا على الاستهلاك. يجب تربية الأبناء على أن الحب عطاء متبادل، وأن الأم ليست خادمة، بل عمود البيت الذي يجب أن يُبر يحترم، خاصة مع كبر سن الأبناء.

4. القناعة والرضا الاجتماعي الكنز الحقيقى : 

تربية الأبناء على التكيف مع مستواهم الاجتماعي والافتخار بأسرهم مهما كان وظيفة الأب أو الأم أو المستوى الاجتماعى هو حائط الصد الأول ضد عقد النقص و مقارنات الأقران المدمرة.

5. فخ الأصدقاء واختلاف الطبقات غير المدروس:

الاندماج في دوائر اجتماعية تفوق قدرات الأسرة المادية بكثير، دون وجود تأسيس نفسي قوي ووعي ذاتي لدى الابن، يؤدي إلى اغتراب نفسي داخل أسرته، وشعور دائم بالحرمان واليأس والنقمة على العيش .

6. الجمال الخارجي فخ إذا غاب الجوهر الذات :

اعتماد الفتاة على جمالها كأداة للسيطرة والحصول على المكاسب المادية (“الرجالة هيموتوا عليا”) هو مؤشر خطير لخلل أخلاقي، وانعدام لقيمة الدين والأخلاق يجعلها فريسة سهلة في المستقبل لمن يمتلكون المال.

7. معادلة القيمة الإنسانية (نظرية الأصفار):

غرس قيمة الأخلاق والدين والمبادئ بعيداً عن القيم المادية يعطي للإنسان قيمته الحقيقية. لفهم ذلك، تخيل أن الإنسان هو الرقم (1) الصحيح:

 * يُضاف له صفر على اليمين وهو **الدين**، فيصبح (10).

 * يُضاف صفر آخر وهو **الأخلاق**، فيصبح (100).

 * يُضاف صفر آخر وهو **القيم والمبادئ**، فيصبح (1000).

 * يُضاف صفر أخير وهو **الجانب المادي**، فيصبح (10000).

   *الشرح الدقيق:* 

إذا نزعنا من الإنسان الدين والأخلاق والقيم (أي أزلنا الثلاثة أصفار الوسطى)، ولم يتبقى إلا رقم (1) وبجواره صفر الجانب المادي فقط… سيصبح الرقم الإجمالي (10) أي أنه فقد قيمته العظمى وتحول إلى رقم ضئيل جداً ومنخفض القيمة. المال وحده دون أخلاق ودين يجعل الإنسان رخيصاً معدومة الأثر.

تنوية

“هذا العمل يندرج ضمن الطرح الاجتماعي النفسي التحليلي، ويهدف إلى تسليط الضوء على بعض الأنماط السلوكية والتربوية المنتشرة داخل المجتمع، دون تعميم أو إصدار أحكام قطعية على الأشخاص.
الآراء الواردة تعبّر عن رؤية الكاتب التحليلية، مع التأكيد على أهمية التقييم النفسي المتخصص لكل حالة بصورة منفصلة.”

الكاتب د/ وليد عبدالله أحمد 

استشاري صحة نفسية وإرشاد أسري ولايف كوتش علم النفس الإيجابي والعلاقات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى