حين أصبح الصمت لغة البيوت المصرية

مقال اجتماعي


نسخة من نسخة من نسخة من نسخة من نسخة من نسخة من canvi xxxx مقالات copy.psd 20260519 165955 ٠٠٠٠بقلم / د. هبة الله ادريس 

لم تعد البيوت المصرية كما كانت قديمًا؛ أصوات الحكايات خفتت، والجلسات الطويلة التي كانت تجمع أفراد الأسرة حول تفاصيل يومهم أصبحت أقل حضورًا. شيئًا فشيئًا، تسلل الصمت إلى كثير من البيوت، حتى صار أحيانًا اللغة الأساسية بين أفراد الأسرة الواحدة.

لم يعد الجميع يتحدثون كما كانوا يفعلون، ليس لأن المشاعر انتهت، بل لأن الضغوط ازدادت. فالحياة أصبحت أسرع وأثقل، وكل شخص يحمل داخله قدرًا من التعب يجعله أقل قدرة على الكلام أو الإنصات. الأب منشغل بتأمين احتياجات البيت، والأم مثقلة بالمسؤوليات، والأبناء يعيشون جزءًا كبيرًا من حياتهم داخل الهواتف والشاشات.

ومع تراكم الضغوط اليومية، أصبح كثير من الناس يفضلون الصمت على النقاش، والهروب على المواجهة. فبدلًا من الحديث عن الخلافات أو المشاعر، يختار البعض الانسحاب الداخلي، وكأن الصمت وسيلة لتجنب المزيد من الإرهاق.

لكن المشكلة أن الصمت الطويل لا يحل الأزمات، بل يخلق مسافات خفية بين الناس. فقد يعيش أفراد الأسرة في بيتٍ واحد، بينما يشعر كل منهم أنه وحيد بطريقته الخاصة. تختفي الأسئلة البسيطة، وتقل لحظات الاهتمام، ويصبح التعبير عن المشاعر أمرًا نادرًا، رغم أن الجميع في الحقيقة يحتاج إلى الاحتواء أكثر من أي وقت مضى.

الأخطر أن الأجيال الجديدة بدأت تعتاد هذا الشكل البارد من العلاقات الأسرية، فتتعلم كيف تخفي مشاعرها بدلًا من التعبير عنها، وكيف تتعايش مع الوحدة حتى وسط أقرب الناس إليها.

ورغم كل شيء، لا تزال البيوت قادرة على استعادة دفئها إذا عاد الحوار من جديد. فالكلمات البسيطة، والسؤال الصادق، والاهتمام الحقيقي، قد يعيدون الحياة إلى علاقات أرهقها الصمت طويلًا. لأن البيت لا يصبح بيتًا بالجدران فقط، بل بالشعور الذي يمنحه لمن يعيشون داخله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى