غطاء الدخان…. ما لا تراه خلف ردود أفعالنا (صرخة دماغ تشتعل بحريق هائل ولكن في صمت)
غطاء الدخان

بقلم…….. د/سارة العناني
مقدمة:
_كم مرة حكمت على شخص لأنه “انفجر غضباً فجأة”؟
_كم مرة اتهمت أحداً بأنه “شخص بارد المشاعر” لأنه تجمد في موقف عاطفي؟
_كم مرة اعتبرت أن صديق لك “تهرب من مواجهة الحقيقة” لأنه سكت أو انسحب؟
ماذا لو أخبرتك أن 90% مما حدث لهذا الشخص قبل رد الفعل… لم تره؟
ماذا لو كان ما رأيته مجرد “غطاء دخان” لحريق ضخم يشتعل في صمت بجهازه العصبي؟
اليوم سنذهب معاً في رحلة إلى “ما وراء الكواليس”.
إلى ذلك الجزء الخفي من الدماغ الذي يعمل في صمت قبل أي كلمة، وقبل أي صرخة، وقبل أي انسحاب.
سنتكلم عن لغة جسد المصدوم؛ وعن كيف تتحول الذكريات إلى قنابل موقوتة في جسده ف تنتظر أي محفز او مثير لتنفجر
أولاً:
“لحظة الزناد”
– ماذا يحدث في جزء من الثانية؟
تخيل أنك تسير في الشارع، وفجأة تشم رائحة عطر معين. في أقل من نصف ثانية، تشعر بضربات قلبك تتسارع، ويداك ترتجفان، وتريد الهرب… دون أن تفهم السبب.
_ما حدث للتو هو:
محفز (Trigger) أصاب ذاكرة صدمة قديمة.
_علمياً، هذا ما يحدث بالترتيب في دماغك:
1. الرائحة تدخل الأنف وتذهب مباشرة إلى البصلة الشمية، وهي المنطقة الوحيدة في الدماغ المرتبطة مباشرة بـ:
2. اللوزة الدماغية (Amygdala):
إنذار الخطر. هي “جرس الحريق” في دماغك. في أقل من 100 مللي ثانية، تضغط على زر الخوف وتصرخ: “خطر! هذا هو!
_ هذا ما حدث وقت الصدمة!”.
3. الحُصين (Hippocampus): أمين الذاكرة.
يحاول أن يتدخل ويقول: “انتظر، نحن ف2026، لسنا في الماضي… هذا عطر فقط”. لكن اللوزة الدماغية أسرع منه بكثير.
4. الجهاز العصبي الذاتي: يتلقى الأمر ويبدأ:
· القلب يتسارع (استعداداً للهرب أو القتال).
· العضلات تتوتر.
· التنفس يصبح سطحياً وسريعاً.
· هرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين) تُغرق الجسم.
كل هذا… في أقل من نصف ثانية.
_والقشرة الدماغية (المنطق) لم تعرف بعد ما الذي يحدث!
_ما تراه أنت:رد فعل امرأة انسحبت فجأة، أو رجل بدأ يصرخ، أو شخص تجمد مكانه.
_ما لم تره أنت: حرب عالمية ثالثة اندلعت للتو في جهازه العصبي.
ثانياً:
“لغة الجسد التي لا تكذب”
– ردود الأفعال الأربعة
عندما يضغط المحفز على زناد الصدمة، الجسد لا يستشير العقل.
الجسد ينقذ نفسه. وهذا ما يسميه علماء الأعصاب “استجابة الصدمه الرباعية”
The4TraumaResponses
1. القتال (Fight):
_ما تراه أنت: شخص هاجمك لفظياً، أو صرخ، أو أصبح عدائياً فجأة و”بدون سبب”.
_ما لا تراه أنت: اللوزة الدماغية أخبرته “الخطر هنا! دافع عن نفسك!”. هو لا يهاجمك أنتِ. هو يهاجم شبحاً من ماضيه ظهر له في صورتك.
2. الهروب (Flight):
_ما تراه أنت: شخص انسحب من النقاش، غادر المكان فجأة، أو يتهرب من المواجهة بشكل مرضي.
_ما لا تراه أنت: دماغه قال له “السلامة في الفرار. اهرب الآن”. هو ليس كما حكمت عليه أنت، هو مرعوب.
3. التجمد (Freeze):
_ما تراه أنت: شخص “بارد”، غير مهتم، لا يرد، عيناه شاردتان.
_مالا تراه انت: جسده في حالة “موت مؤقت”. هذه آلية دفاعية بدائية يستخدمها الجسم عندما يكون القتال والهروب مستحيلين. هو ليس بلا مشاعر. هو ممتلئ بالرعب لدرجة أنه تجمد.
4. التملق/الاسترضاء (Fawn):
_ ما تراه أنت: شخص يوافقك على كل شيء، يعتذر باستمرار، يتحمل إساءتك ويبرر لك.
_مالا تراه انت: تعلم في طفولته أن السلامة تكمن في “إرضاء المفترس” حتى لا يؤذيه. هو لا يحبكِ، هو يحاول أن ينجو منكِ.
ثالثاً:
“الذاكرة الجسدية” – لماذا لا ينسى الجسد؟
يقول الطبيب النفسي بيسيل فان دير كولك (Bessel van der Kolk) في كتابه الشهير “الجسد يحتفظ بالنتيجة (The Body Keeps the Score)”: “الصدمة لا تُخزّن كقصة في الذاكرة. الصدمة تُخزّن كشظايا حسية: صورة، رائحة، صوت، إحساس في الجلد.”
لهذا، عندما يأتي المحفز، لا يتذكر المصاب بالصدمة “قصة” ما حدث.
هو يعيش الصدمة من جديد.
· لمسة على الكتف قد تعيد اعتداءً قديماً.
· صوت باب يُغلق بعنف قد يعيد طفلاً كان يختبئ من أب عنيف.
· حتى نبرة صوت معينة قد تشعل هلعاً دفيناً.
ما تراه أنت : شخصاً انهار بسبب “شيء تافه”.
ما لا تراه انت: جسد انهار لأنه عاش جحيماً كاملاً في ثانية واحدة.
رابعاً:
“كيف نقرأ المشهد بشكل صحيح؟”
– وصية لكل منا:
إذا كنا لا نستطيع رؤية ما يحدث داخل دماغ الآخر، فكيف نتعامل مع ردود أفعالهم؟
1. توقف عن إصدار الأحكام و التفسير الفوري:
عندما ترى رد فعل قوياً، اسأل نفسك قبل أن تحكم: “هذا ليس رد فعل على اللحظة الحالية فقط.
يا تري ماذا حدث له في الماضي كي اري ما رأيت ؟”
2. استبدل “لماذا تفعل هذا؟” بـ “ماذا حدث لك ؟”:
وهذه هي القاعدة الذهبية في علم نفس الصدمة
3. كن “ملاذاً آمناً”:
إذا كنت تريد مساعدة شخص تحبه يعاني من صدمة قديمة:
· لا تطلب منه أن “يتوقف” عن رد الفعل.
· طمئنه بمكان هادئ، بصوت منخفض، وبعبارات بسيطة: “أنت بأمان الآن. أنا هنا. خذ وقتك.”
· تذكر: دماغه الآن في حالة “بقاء”، وليس في حالة “حوار”. لا تحاول أن تتناقش معه قبل أن يهدأ جهازه العصبي.
4. اطلب المساعدة لنفسك:
إذا كنت انت الذي يجد نفسه يتفاعل مع المواقف البسيطة بردود أفعال هائلة (غضب مدمر، خوف يشل، رغبة في الهروب)، فقد تكون تستجيب لمحفزات صدمة قديمة لم تُشفَ بعد.
فهنا لا عيب ف الاستشارة النفسية لأنها في هذه اللحظه ضروره لا رفاهية.
خاتمة:
في المرة القادمة التي ترى فيها شخصاً “انفجر”، أو شخصاً “تجمد”، أو شخصاً “هرب”، تذكر هذه الرحلة البسيطه التي قطعناها معاً داخل الدماغ.
وتذكر….. أن ما تراه قد يكون فصل في قصة طويلة من الألم.
تذكر….. أن الجسد لا يكذب، لكنه يتحدث بلغة خاصة يحتاج كل منا أن نتعلم مفرداتها.
انتبه….. لا تبنِ رأيك على الفصل الأخير الذي رأيته. القصة الحقيقية مخبأة في الصفحات التي لم تقرأها بعد.
وكما تعلمنا من قبل: القرار قرارنا في أن نتحول من قضاة إلى مستمعين، ومن حكام إلى ملاذ آمن.
“وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي” (يوسف: ٥٣)
النفس جبلت على التسرع في الحكم، وتحتاج إلى رحمة الله أولاً، وإلى التريث والعلم ثانياً، لكي نستطيع كسر هذه الدائرة التي تكتمل وتنغل ق ب سوء الفهم المتبادل.
وفي النهاية……
قد لا نستطيع أن نرى معركة الآخر الداخلية… لكن يمكننا على الأقل ألا نكون نحن السلاح الذي ينهيه.
