آليات الدفاع النفسي زر الإيقاف المؤقت “الإنكار”

مقال اجتماعي

اليات الدفاع النفسي زر الإيقاف المؤقت “الإنكار”

بقلم د/سارة العناني

تحدثنا في السلسله السابقه عن:

1. الصدمة (الثلاثية المحظورة).

2. وانتقال الصدمة (الصندوق الأسود).

3. ولغة الجسد ورد الفعل (غطاء الدخان).

واليوم سوف نبدأ رحلة جديدة بسلسلة جديدة وكيف يحمي العقل نفسه من الصدمة؟!

وهذا هو الهيكل النظري الذي يجعل القارئ يفهم نفسه ويفهم سلوكه وسلوك غيره بشكل أعمق وبصورة اوضح من ذي قبل.

فهيا بنا نبدأ بالحلقه الأولي في سلسلتنا الجديدة مع أول وأشهر خط دفاعي يعمل داخل الشخص عند حدوث الصدمه؛

وبالرغم من انه وسيلة دفاعيه نفسيه إلا و في بعض الأحيان يكون عائق في طريق المعالج للعلاج .

تخيل أن منزلك اشتعل فجأة. النيران تلتهم كل شيء.

في هذه اللحظة، وقبل أن تفكر في أي شيء، هناك “فيوز” ينطفئ في دماغك. للحظة، تقف مذهول وتهمس: “لا… لايمكن. هذا لا يحدث.”

هذه اللحظة، وهذا “الفيوز”، هو ما يسميه علم النفس “الإنكار” (Denial).

ليس كذباً؛ ليس عناداً؛ ليس غباءً.

بل هو مسكن ألم بدائي يفرزه الدماغ ليحمينا من صدمة قد تدمرنا لو واجهناها دفعة واحدة وهذا يرجع حسب استجابة كل شخص كما ذكرنا من قبل في غطاءالدخان.

ف في رحلتنا السابقة (غطاء الدخان)، رأينا كيف يتفاعل الدماغ مع المحفزات؛و اليوم، سنتعمق في أول وأقوى خط دفاعي يشغله الدماغ لحظة وقوع الصدمة.

سنتكلم عن الإنكار حارسه الأمين، وسجانه المخادع في آنٍ واحد.

أولاً:

ما هو “الإنكار” ؟

الإنكار هو الجدار الوهمي الذي يحمينا… ويدمرنا في صمت”

وأيضاً آلية دفاع لا واعية وهذا يفسر لك ان الشخص الذي ينكر لا يكذب عليك، بل هو لا يرى الحقيقة أصلاً؛ دماغه يرفض تسجيلها لأن تسجيلها الآن يعني انهياراً كاملاً.

و بشكل أبسط:

الإنكار هو “زر الإيقاف المؤقت” الذي يضغط عليه الدماغ ليعطينا فرصة لالتقاط أنفاسنا.

ثانياً:

_ كيف يعمل؟

_ومتى يكون مفيداً؟

انتبه!!!

في المرحلة الحادة من الصدمة، يكون الإنكار بطلاً.

ف مثلاً:

· مريض سمع لتوه خبر تشخيصه بمرض خطير، يقول: “لا، التحاليل ليست صحيحه. أنا اشعر أني بخير”.

· زوجة أخبرها الأطباء بوفاة زوجها في حادث، تستمر في تحضير عشائه وتقول:

“هو راجع بعد شوية”.

هذه ليست دراما. هذا هو الإنكار المنقذ.

إنه يفرّع الألم على دفعات. يسمح للدماغ بأن يستوعب الواقع رويداً رويداً بدلاً من أن يتحطم دفعة واحدة.

و هو المعروف ب نظام

” التبريد النفسي”.

ثالثاً:

متى يتحول الإنكار من درع إلى سجن؟

المشكلة لا تكمن في الإنكار نفسه، بل في أن نعيش فيه. عندما يطول، يتحول من مسكن إلى سم يقتل واقع الشخص المصدوم ببطئ .

· مدمن المخدرات الذي يقول: “أنا أقدر أبطل في أي وقت” (إنكار المشكلة).

· الزوجة المعَنَّفَة و المقهورة من قبل زوجها تقول:

“هو ليس سيئاً… لكن هو متوتر أو مضغوط او تلقي باللوم علي نفسها بالرغم من كونها مظلومه ” (إنكار حقيقة الإساءة).

· الطفل الذي تعرض لاعتداء جنسي او جسدي ولم يخبر أحداً، يكبر وينسى تماماً ما حدث. هذا هو “الإنكار الكامل”، حيث يمحو الدماغ الذاكرة لحماية الذات، لكن الشبح يظل يطارده في صورة قلق وانهيارات وردود افعال غير مفسرة.

هنا يصبح الإنكار هو العدو نفسه؛ لأنه يمنع العلاج؛ ويمنع المواجهة؛ ويترك الجرح مفتوحاً تحت الضمادة حتى يتعفن.

رابعاً:

وجوه الإنكار المختلفة…

للإنكار أقنعة كثيرة، وقد تتفاجأ عندما تراها في حياتك اليومية:

1. الإنكار البسيط (Simple Denial):

“هذا لم يحدث.” رفض تام للواقع.

“كأنه يري الحدث لشخص آخر وليس هو”

“كأنه نائم وهذا حلم او وهم او كابوس وسوف يستيقظ”

2. الإنكار المصغّر (Minimization):

“حصل حاجة بسيطة… مش كبيرة”. نعترف بالحدث لكن نقلل من أثره.

3. الإنكار المسقط (Projection):

“أنا مش اللي عندي مشكلة… الناس هي اللي بتفهم غلط”. نعترف بوجود شيء ما لكن نرميه على الآخرين.

خامساً:

كيف نكسر جدار الإنكار؟ (بهدوء وحكمة)

كسر إنكار شخص تحبه ليس بأن نضربه بالحقيقة.

هذا سيؤدي إلى تعطله التام. أما الطريقة الصحيحة هي:

1. لا تحطم الجدار بمعول:

لا تقل “أنت تكذب على نفسك!”.

هذا يزيد الإنكار قوة.

2. اسأل أسئلة لطيفة:

بدلاً مثلاً من “أنت مدمن”سؤال يشير بأصابع إتهام مباشرة حتي وإن كان صحيحاً لا تقل هكذا ولكن قل:

“هل لاحظت إن صحتك تغيرت هذه الفترة ؟ ما رأيك نطمن بتحليل بسيط؟”

3. كن مرآة لا قاضياً:

اعكس له ما تراه بلطف. “أنا أرى أنك مجهد ومتعب ومتوتر هذه الفترة.

أنا هنا لأجلك؛انا هنا لأسمعك ان اردت ان تحكي “.

4. اطلب المساعدة بنفسك: إذا كان شخص عزيز عليك غارقاً في إنكار مدمر، فأنت تحتاج لمرشد نفسي ليعلمك كيف تتعامل معه دون أن تحترق معه.

خاتمة:

الإنكار ليس ضعفاً. هو شهادة على قوة الدماغ وقدرته الفائقة على حمايتنا.

و لكنه مثل المورفين: مسكن قوي، لكن إدمانه يؤدي إلى موت الروح ببطء.

وتذكر ان……

في رحلتنا التي سوف نرتحلها سوياً مع آليات الدفاع النفسي، سنتعلم فيها أن كل سلوك نقوم به كان في يوم ما محاولة منا للنجاة.

وسنتعلم كيف نتحول من مجرد “ناجين متعايشين ” إلى “أحياء مستمتعين بالحياه ” .

الخطوة الأولى لنكسر السلسلة… هي أن نرى الجدار الذي بنيناه بأيدينا.

وتذكر قول الله عز وجل في سورة القيامة:

“بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ”

و هذه الآية الكريمة من أعظم الصور الحية التي وصفت الإنكار.

الإنسان يعرف الحقيقة في أعماقه، لكنه يلقي معاذيره وستائره لكي لا يري الحقيقة. والدرس المستفاد في هذه الآية الكريمة هو أن الشفاء لا يبدأ عندما نتوقف عن إلقاء الستائر فقط بل بفتحها .

واخيراً……

أن ننظر في المرآة بشجاعة… هذه هي بداية كل علاج.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى