الحداد الجماعي… سيكولوجية الحزن عندما يكون المصاب إنسانياً عاماً

بقلم د/ محمد بدوي
في عام 2026، بتنا نعيش في “قرية عالمية” متصلة الأعصاب؛ فما يحدث في أقصى الأرض يشعر به من في أدناها في غضون ثوانٍ. هذا أدى لظهور ما يسميه علماء النفس “الحداد الجماعي” (Collective Grief). إنه الحزن الذي لا يخص فقدان شخص قريب فحسب، بل يخص فقدان الأمان، أو فقدان العدالة، أو الحزن على مأساة حلت بشعب أو مدينة.
1- لماذا نشعر بحزن “الغرباء”؟الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وهويتنا ليست فردية فقط بل “هوية جمعية”. عندما نشاهد مأساة عامة، فإننا لا نتعاطف فقط، بل نشعر بتهديد لمبادئنا الإنسانية المشتركة.الفقدان المعنوي: في الأزمات الحالية، نحن لا نحزن فقط على “الأرواح”، بل نحزن على “فكرة” (مثل السلام، أو استقرار الاقتصاد، أو حرمة المنازل). هذا الفقدان المعنوي يولد حزناً غامضاً يصعب تفسيره أحياناً.
2. مراحل الحداد الجماعي (نموذج كوبلر روس المعدل)عند وقوع حدث جلل، يمر المجتمع بخمس مراحل (ليس بالضرورة بالترتيب):الإنكار: “مستحيل أن يحدث هذا في عصرنا الحالي”.الغضب: البحث عن كبش فداء أو لوم جهات معينة.المساومة: “لو أننا فعلنا كذا لكان كذا..”.الاكتئاب الجمعي: حالة من السكون، فقدان الرغبة في العمل، والشعور بالثقل.القبول والتكيف: البدء في بناء استجابة مجتمعية (تبرعات، تضامن، تغيير مسار).
3. “الحزن المعلق” (Disenfranchised Grief)أخطر ما في الأحداث الجارية هو “الحزن غير المعترف به”. قد يشعر الموظف في مكتبه بالحزن الشديد على أحداث عالمية، لكن المجتمع يطالبه بأن “يعمل كأن شيئاً لم يكن”. هذا الكبت يؤدي إلى انفجار نفسي لاحقاً. كيف نتجاوز “الحزن الكبير” دون أن نغرق؟الطقوس الجماعية: التعبير عن الحزن مع الآخرين (سواء عبر وقفات تضامنية، صلوات، أو حتى نقاشات جماعية) يقلل من وطأة الألم. “الألم الذي يتم تقاسمه، ينقسم”.الاعتراف بالمشاعر: لا تلم نفسك لأنك “حزين على أشخاص لا تعرفهم”. هذا دليل على صحة فطرتك وإنسانيتك، وليس ضعفاً.التركيز على “الاستمرارية”: في أوقات الحداد العام، الالتزام بالروتين اليومي البسيط (مثل تحضير الطعام، ممارسة المشي) يعمل كـ “مرساة” تحميك من الانجراف خلف دوامة الحزن التي لا تنتهي.