بر الوالدين وحب الأهل والوطن قمة الوعي الوطني
مقال رأي
بر الوالدين وحب الأهل والوطن.. قمة الوعي الوطني
بقلم / أحمد رمضان
معاناة الأب طيلة حياته من أجل عائلته خلال فترة غيابه عنها؛ ليتحمل مسئولية إبقائها في أمن وأمان واستقرار، ليوفر لها المال والحماية والاحتياجات الخاصة بها، ليدعمها في كل ما يتعلق بمستقبلها.
الأم الحنون وطن العائلة، درعها الخفي التي تفنى من عمرها لأجل بيتها وأسرتها، وسهرت الليالي تتحمل كل المصاعب من أجل ألا يصيبهم مكروه أبدًا، وترى سعادة الدنيا ترتسم على وجهها عندما يكون كافة أعضائها بخير. (حب الأم والأب والأسرة والأهل والأصدقاء والجيران، وارتباط كل هؤلاء بأرضهم التي يعيشون عليها وعشقهم لها، هذا هو الوطن الحقيقي الأصيل).
وهنا تكمن كلمة السر في هذه الحياة!!
جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا رَسولَ اللهِ، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحابَتي؟ قال: أُمُّكَ، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أبوكَ.
الراوي: أبو هريرة | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري.
ومن الجلي هنا أن (بر الوالدين وصلة الأرحام) هما الركيزة العملية لتحويل المعارف الأصولية الإسلامية إلى سلوك اجتماعي متين، وهو الدرع الواقي لحماية الأسرة والمجتمع من التفكك والعزلة.
بر الوالدين وصلة الأرحام
ـ إن الله سبحانه وتعالى جعل عبادته وتوحيده ببر الوالدين مباشرة في القرآن الكريم قرينان تعظيمًا لشأنهما وقوة تأثيرهما.
فقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
حيث يتطلب البر خفض جناح الذل من الرحمة لهما واحترامهما وتقديرهم… ومن البر إكرام الوالدين والترفق بهما في كافة أمور الدنيا، وخاصة في كبرهما، وتجنب أدنى مظاهر الضجر (ككلمة “أف”) التي تؤذي مشاعر الوالدين، ومن بر الوالدين… الإنفاق عليهما عند الحاجة… الدعاء والاستغفار لهما، واستمرار برهما بعد وفاتهما عبر الدعاء لهما، وإنفاذ عهودهما، وإكرام أصدقائهما، و(تلك هي الصدقة الجارية).
وفي قصة رؤيا سيدنا إبراهيم لذبح ولده إسماعيل، أسمى آيات الإيمان بالله وبر الوالدين….
قال الله تعالى: وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين [ الصافات: 99 – 113 ].
يذكر الله تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه، سأل ربه أن يهب له ولدًا صالحًا، فبشره الله تعالى بغلام حليم، وهو إسماعيل عليه السلام؛ لأنه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل، وقوله: فلما بلغ معه السعي أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه، فلما كان هذا أري إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا…
وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعًا: رؤيا الأنبياء وحي. قاله [ ص: 364 ] عبيد بن عمير أيضًا. وهذا اختبار من الله عز وجل لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر، وقد طعن في السن بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر، وواد ليس به حسيس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع، فامتثل أمر الله في ذلك، وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلًا عليه، فجعل الله لهما فرجًا ومخرجًا، ورزقهما من حيث لا يحتسبان، ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا، الذي قد أفرده عن أمر ربه، وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره، أجاب ربه وامتثل أمره وسارع إلى طاعته، ثم عرض ذلك على ولده؛ ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرًا ويذبحه قهرًا، قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى. فبادر الغلام الحليم يبر والده الخليل إبراهيم، فقال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد.
قال الله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين. قيل: أسلما أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك، والمعنى تله للجبين أي ألقاه على وجهه. قيل: أراد أن يذبحه، وأسلما أي سمى إبراهيم وكبر وتشهد وسلم الولد للموت.
فعند ذلك نودي من الله عز وجل: أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك، ولهذا قال تعالى: إن هذا لهو البلاء المبين. أي الاختبار الظاهر البين. وقوله: وفديناه بذبح عظيم. أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه، والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض.
ـ وحب الأهل يتجلى بوضوح في صلة الأرحام.
والأرحام لفظ يشمل جميع الأقارب من جهة الأب والأم، وتبدأ الصلة بالزيارة، وتقديم الدعم المالي والجهدي، وتصل إلى أبسط صورها بالاتصال والسؤال والدعاء.
من الإيمان والعقيدة الصحيحة صلة الأقارب حتى في حال قطيعتهم أو إساءتهم، لقول النبي ﷺ: «لَيْسَ الوَاصِلُ بالْمُكَافِئِ».
الآثار التربوية والسلوكية على الفرد والمجتمع
صلة الأرحام هي سبب البركة في الرزق، والتوفيق في العمل، والزيادة في العمر والأثر الطيب، بالإضافة إلى أنها تمنح الفرد شعورًا بالانتماء والأمان الاجتماعي، مما يقلل من نسب الاكتئاب والعزلة الفردية، والقدوة التلقائية برؤية الأبناء لآبائهم يبرون أجدادهم ويصلون أرحامهم تزرع فيهم هذه القيم ذاتيًا دون تلقين.
يقوم بناء الأسرة المصرية الأصيلة على ركائز أخلاقية، دينية، واجتماعية متوارثة، تشكل اللبنة الأولى في استقرار المجتمع المصري وحماية هويته من التحديات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي. ويتطلب تحقيق هذا البناء توازنًا دقيقًا بين الحفاظ على الجذور ومواجهة المتغيرات العصرية.
ومن الركائز الأساسية للبناء الأسري المتين…
ـ التكافؤ الفكري، الأخلاقي، والاجتماعي؛ لضمان الانسجام والحد من النزاعات المستقبلية.
ـ اعتماد الدعم النفسي المشترك كأساس لتعامل يومي يقوم على السكن والسكينة بالمودة والرحمة.
ـ ترسيخ مبدأ الشراكة الحقيقية بين الزوجين لإدارة شؤون المنزل وتربية الأبناء بالتساوي.
ـ الحفاظ على صلة الأرحام والتواصل الوثيق بين الأجيال المختلفة داخل العائلة الكبيرة.
ـ غرس قيم الصدق، الأمانة، احترام الكبير، والشهامة في نفوس الأطفال منذ الصغر.
ـ مراقبة وتوجيه استخدام الأبناء للتكنولوجيا لحمايتهم من الأفكار الدخيلة والمفاهيم المغلوطة.
ـ تربية الأبناء في الأسرة على القناعة، والاعتدال في الإنفاق، ومواجهة الضغوط الحياتية بمرونة.
ـ الاستفادة من مبادرات التوعية ومراكز الإرشاد الأسري التي توفرها المؤسسات الدينية والاجتماعية.
حب الأهل والوطن من أقوى الدروع الواقية للنفس البشرية
حيث يتطلب بناء شباب قوي، حر، أن يكون محبًا لأهله ووطنه ومؤسسًا علميًا واجتماعيًا، بحيث يستطيع أن يدمج بين الأصول الإسلامية الثابتة والمهارات الفكرية المعاصرة، مما يحميهم من التبعية الفكرية ويعزز وازعهم الأخلاقي والوطني.
ويتحقق ذلك بالتصور الآتي:
(الانتقال من الإيمان بالوراثة إلى الإيمان القائم على الدليل العقلي)
وذلك لتفنيد الشبهات المعاصرة بتبني فقه المقاصد والعلل، بتدريب الشباب على فهم “لماذا شرع الله هذا؟” (لحفظ الدين، النفس، العقل، العرض، المال)، ولتنمية التفكير التحليلي لدى الأطفال والشباب، مما يساعد على تمكين الشباب من التمييز بين المصالح والمفاسد، وتقديم مصلحة الجماعة والوطن على المصالح الشخصية الضيقة.
وبدراسة مواقف النبي ﷺ نحو مكة والمدينة كقائد عظيم، ومربٍ ومواطن يحب وطنه، ندرك منها مفهوم الوفاء للأرض والأهل.
(دعم المهارات الفكرية والتفكير النقدي)
بمنح الشباب سبل القدرة على فرز الأفكار الوافدة عبر التكنولوجيا والمنصات الرقمية، ورفض التبعية العمياء.
إعطاء الفرصة للشباب حتى يتمكن من أن يوظف مهارته وقوته لتنفيذ اختياراته الأخلاقية.
تزويدهم بآداب الاختلاف الإسلامية لتقبل الآخرين داخل المجتمع دون التنازل عن الثوابت العقائدية.
(حب الأهل والوطن قيم مصرية خالصة)
دعم التوجيه نحو ترسيخ قيم الأخلاق السامية نحو طاعة الأهل وإكرامهم، فهو معيار الرجولة والقوة النفسية، وليس مظهرًا من مظاهر الضعف.
(غرس قيمة حب الأهل والوطن)
وترجمة حب الوطن والأهل إلى حماية مقدرات الدولة، والالتزام بالقوانين، والعمل على نهضتها. التكافل الاجتماعي العائلي وتدريب الشباب على تفقد ذوي القربى والجيران؛ لتعميق الروابط الإنسانية ومحاربة الأنانية الفردية.
الخوف من الله ببناء الفكر والوعي، حيث يجب الانتقال به من مرحلة “التلقين” الخارجي المبني على التخويف المجرد، إلى مرحلة “الرقابة الذاتية” النابعة من التعظيم والمحبة؛ لضمان استقامة السلوك عند الأطفال والكبار.
(تحويل “الخوف من الله” من تلقين إلى رقابة ذاتية)
تجنب أسلوب التخويف بالنار والعذاب فقط للأطفال، والتركيز على غرس حب الله، واستشعار نعمه، ورجاء ثوابه.
تعليم الطفل والبالغ أن الله يراه في السر والعلن (مقام الإحسان)، مما يغني عن وجود رقيب بشري أو سلطة خارجية.
توضيح أن الأوامر والنواهي الإلهية شُرعت لحماية الإنسان ومصلحته، وليس للتضييق عليه، مما يحول الخوف إلى احترام للحدود.
تحويل الخوف من مجرد شعور بالقلق أو العجز، إلى طاقة دافعة للعمل الصالح، وإتقان العبادات، وترك المظالم.
أثر الخوف الواعي على السلوك (للكبار والصغار)
التزام الشخص بالحق والعدل في المعاملات المالية والاجتماعية حتى عند غياب الرقابة القانونية.
توقف الفرد عن السلوكيات المؤذية (كالظلم أو الغيبة) حياءً من الله وخوفًا من عقابه، وليس خوفًا من الفضيحة والعقاب المجتمعي.
حماية الشباب من الانجراف وراء الشهوات أو الأفكار الهدامة بوجود عاصم داخلي يضبط الوجدان والنزوات.
إن حكايات التاريخ عن البطولات المذهلة لم يصنعها إلا رجال ذوو قوة وعقيدة وإيمان وحب الأهل والوطن بلا حدود.
ودعم الدولة لأبناء الشعب المصري هو في الحقيقة دعم للوطن، وخطوة قوية من الدولة المصرية لبناء قوة دفاع وطنية ليس لها مثيل.
تحيا مصر
“يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن سياسة التحرير الخاصة بالموقع أو الصحيفة “

