عَرَفْتُ حُدُودِي

مقال رأي

بقلم: د. هند إبراهيم حمزة

عَرَفْتُ حُدُودِي.

قالها العارف جلال الدين الرومي عندما سُئِل: “أراك تقرأ وتكتب، فماذا عرفت؟” وعندما تأملتُ إجابته وجدتها تختصر الكثير من معاني التواضع.

عَرَفْتُ حُدُودِي…

عرفتُ أنَّ التَّدَيُّنَ والوَرَعَ ليست دلالته منشوراتٍ ولا صُوَرٍ أمامَ الكعبةِ والمسجدِ، دَعْني أراهُ في سلوكِكَ وتصرُّفاتِكَ الملموسةِ لا المحسوسةِ…فإحساسُكَ الدَّاخليُّ شيءٌ بينكَ وبينَ نفسِكَ، دَعْني أراهُ في عَدْلِ يَدِكَ إذ أُذِنَ لكَ بالقِسْمَةِ، في قولِكَ إذا أُسنِدَ إليكَ الحُكمُ والقولُ، في قرارِكَ إذا مَلَكْتَ صُنْعَ القرارِ…

عَرَفْتُ أنَّه إذا أُنْعِمَ عليكَ بفَهْمِ البواطنِ وكَشْفِ السَّرائرِ أن تشكرَ اللهَ على الحمايةِ وعلى إعطائِكَ فُرَصَ النَّجاةِ، وليست كلُّ النَّجاةِ ابتعادًا أو رحيلًا حركيًّا، هناك هِجْراتٌ داخليَّةٌ وفكريَّةٌ، إذا وُهِبْتَها فقد رُزِقْتَ حمايةً حِسِّيَّةً كحمايةِ البَرْدِ والسَّلامِ التي أُلْقِيَتْ على إبراهيمَ فكانَ وسطَ النَّارِ لكنَّها لا تُحْرِقُهُ.

كحمايةِ يوسفَ عندما كانَ وسطَ غَيْرَةِ إخوتِهِ وتَرَبُّصِهِم وتخطيطِهِم لإبعادِهِ عن حِضْنِ أبيهِ، وعندما كان في قلبِ الغوايةِ ومُحاطًا بأجواء الفتن  لكنَّه صُرِفَ عن السُّوءُ.

كحمايةِ موسى عندما أُلْقِيَ في اليَمِّ ورُبِّيَ في بيتِ عدوِّهِ وبينَ أحضانِهِ، وأُوتِيَ الكتابَ والحكمةَ والقوَّةَ، وعندما خرجَ خائفًا يترقَّبُ لكنَّ خروجَهُ لينجو من القومِ الظالمينَ…

عَرَفْتُ أنَّ الاختلافَ رحمةٌ، ولو شاءَ لجعلَهُم أُمَّةً واحدةً.

عَرَفْتُ أنَّ الحُبَّ صفةٌ إلهيَّةٌ وأوامرُ ربَّانيَّةٌ، وأنَّ كلَّ الآياتِ عن فعل الحب  ذُكِرَ بها: واللهُ يُحِبُّ، وإنَّ اللهَ يُحِبُّ، ولم يُذْكَرْ فعلُ الكُرْهِ ولا مرَّةً، فتأكَّدْتُ أنَّ قلوبَ المُحبِّينَ قلوبٌ تحيا بالفطرةِ  ، فاللهُ يُحِبُّ…

عَرَفْتُ أنَّ الإنسانَ خُلِقَ يتَّصِفُ باسمِهِ، فهو خُلِقَ للأُنْسِ والوُنْسِ، وبحثُهُ عن ذلكَ من صميمِ ما خُلِقَ من أجلِهِ…

عَرَفْتُ أنَّ المشاعرَ والقلوبَ هي المُقْدِرَةُ، وأنَّها إذا صَفَتْ رأتْ، وإذا ذاقَتْ عَرَفَتْ، وأنَّ جُلَّ المعرفةِ أن تعرفَ نفسَكَ وعلاقتَها السَّاميةَ بمن خَلَقَها وسوَّاها، وأنَّ الوصلَ الصادقَ وإن كنتَ وسطَ الحشودِ وصَخَبِ الجموعِ نَعيمُ الحياةِ، فكيفَ هو بعدَ المماتِ؟!!

عَرَفْتُ أنَّ الرُّوحَ نورٌ، وأنَّ أصلَ النُّورِ المِشْكاةُ، وهي أمرُ ربِّي، وأنَّ كلَّ ما أُوتينا من علمٍ قليلًا قليلًا…

عَرَفْتُ أنَّ التجلِّي في التخلِّي القويِّ، لا التخلَّى عن ضعفٍ وقلَّةِ الحيلةِ، وأنَّها لقوَّةٌ حينَ تعرفُ وتصمتُ…

عَرَفْتُ أنَّ للصمتِ قوَّةً وهيبةً تفوقُ حديثَ ألفِ كلمةٍ، وأنَّ لكلِّ كلمةٍ سامعيها، فإذا نَدَرَ أصحابُ العقولِ السامعينَ، وشَحَّ وجودُ ذوي البصيرةِ، فلتسكتْ كلماتُكَ وتُلَمْلِمْ أوراقَكَ لموعدٍ قادمٍ…

عَرَفْتُ أنَّ الصُّحبةَ عطيَّةٌ، وأنَّ من خيرِ ما رُزِقَ المصطفى ﷺ الصُّحبةُ، وأدركتُ لماذا تشملُ صلواتُ ربِّي وسلامُهُ أصحابَهُ…

عَرَفْتُ أنَّ الزينةَ في المالِ والولدِ، لكن لا يبقى لكَ منهما إلا الدَّعوةُ الصالحةُ، فأدركتُ لماذا كانَ أحدُ الصالحينَ كلُّ دعائِهِ وصداقاته للهِ لأن يُصلِحَ لهُ الولدَ…

عَرَفْتُ أنَّ قِمَّةَ السَّيطرةِ والقدرةِ أن تقدرَ على نفسِكَ وهواكَ، وأنَّ من يقدرُ على نفسِهِ ويملكُ لجامَها لا يقدِرُهُ أحدٌ…

عَرَفْتُ أنَّها متاعُ الغرورِ، وأنَّنا خُلِقْنا لعبادةِ اللهِ كأنَّنا نراهُ، فسألتُهُ ورجوتُهُ أن يُبقيَ قلبي وَجِلًا، وعقلي يقظًا، وأن يصفحَ عن زلَّاتي وعثراتي يومَ أن ألقاهُ، وأن يرزقني الصُّحبةَ والشَّفاعةَ في الآخرةِ والرَّحمةَ التي تُهوِّنُ ما عرفناهُ…

وبرغمِ كلِّ ما أزعمُ أنِّي عَرَفْتُ، إلا أنَّه أعظمُ ما عَرَفْتُ هو…

أنِّي عَرَفْتُ حُدُودِي. ✨

   “يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن سياسة التحرير الخاصة بالموقع أو الصحيفة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى