كيف يؤثر اللاشعور على مشاعرنا وعلاقاتنا وقراراتنا اليومية؟
تأثير اللاشعور على المشاعر

بقلم : د/ عصمت ماهر
هل تساءلت يومًا لماذا تنجذب دائمًا إلى نفس النوع من الأشخاص رغم أنهم يسببون لك الألم؟
لماذا تتكرر نفس الخلافات في علاقاتك مهما اختلفت الوجوه والأسماء؟
ولماذا تجد نفسك أحيانًا تتخذ قرارات تعلم مسبقًا أنها ليست في صالحك، ثم تندم عليها لاحقًا؟
الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من حياتنا لا تقوده أفكارنا الواعية كما نعتقد، بل تقوده قوة خفية تسكن أعماقنا تُعرف باسم “اللاشعور”.
اللاشعور ليس مجرد مفهوم نفسي معقد، بل هو مخزن ضخم للتجارب والمشاعر والذكريات والمعتقدات التي تراكمت بداخلك منذ طفولتك، حتى تلك التي ظننت أنك نسيتها أو تجاوزتها.
قد تنسى المواقف، لكن عقلك لا ينساها.
قد تنسى الكلمات التي جرحتك، لكن أثرها يبقى حيًا في أعماقك.
وقد تنسى لحظات الخوف أو الرفض أو الإهمال، لكنها تظل تؤثر على اختياراتك وسلوكك دون أن تشعر.
فالشخص الذي نشأ وهو يشعر أنه غير كافٍ، قد يقضي عمره كله يبحث عن القبول من الآخرين.
والطفل الذي عاش الخوف من الهجر، قد يكبر وهو يتعلق بالناس بشكل مؤلم أو يخاف من الاقتراب منهم أصلًا.
ومن تعرض للنقد المستمر قد يصبح بالغًا لا يرى في نفسه أي قيمة مهما حقق من نجاح.
المشكلة أن اللاشعور لا يتحدث إلينا بالكلمات، بل يتحدث من خلال المشاعر.
ذلك القلق المفاجئ الذي لا تعرف سببه.
ذلك الغضب المبالغ فيه من موقف بسيط.
ذلك الحزن الذي يزورك أحيانًا دون تفسير واضح.
كلها رسائل قد تحمل جذورًا أعمق مما نتخيل.
وفي العلاقات الإنسانية يظهر تأثير اللاشعور بشكل أوضح.
فكثير من الناس لا يختارون شركاء حياتهم بوعي كامل، بل ينجذبون دون قصد إلى أشخاص يشبهون نماذج عرفوها في طفولتهم.
أحيانًا نعيد تمثيل جروح قديمة ونحن نظن أننا نبحث عن الحب.
نكرر نفس السيناريو بأبطال مختلفين.
نفس الخذلان.
نفس التعلق.
نفس الصراعات.
ونتعجب بعدها: لماذا يحدث معي هذا دائمًا؟
لأن الجرح الذي لم يُفهم، غالبًا ما يُعاد.
والألم الذي لم يُعالج، غالبًا ما يتكرر.
حتى قراراتنا اليومية تتأثر بما نحمله في أعماقنا.
قد ترفض فرصة عظيمة لأنك في داخلك لا تشعر أنك تستحقها.
وقد تبقى في علاقة مؤذية لأن جزءًا منك يخاف الوحدة أكثر من الألم.
وقد تؤجل أحلامك سنوات طويلة لأن صوتًا قديمًا ما زال يهمس بداخلك: “لن تنجح”.
والمؤلم أن الإنسان قد يقضي سنوات يحارب النتائج، بينما السبب الحقيقي مختبئ في الداخل.
لهذا فإن التغيير الحقيقي لا يبدأ فقط من تغيير السلوك، بل من فهم ما يحرك هذا السلوك.
لا يكفي أن تسأل: ماذا أفعل؟
بل اسأل أيضًا: لماذا أفعل ذلك؟
لا يكفي أن تحاول إسكات مشاعرك.
بل حاول أن تفهم الرسالة التي تحملها.
فالوعي هو أول خطوة للتحرر.
وعندما تبدأ في اكتشاف ما يختبئ داخل أعماقك، ستدرك أن كثيرًا مما كنت تظنه ضعفًا أو فشلًا لم يكن سوى آثار لجروح قديمة لم تجد من يصغي إليها.
إن أكبر رحلة يخوضها الإنسان ليست إلى العالم الخارجي، بل إلى نفسه.
إلى ذلك الجزء الصامت الذي ظل يدير حياته من وراء الستار.
وعندما تجرؤ على مواجهة هذا الجزء وفهمه، ستكتشف أن الحرية الحقيقية ليست أن تغير العالم من حولك…
بل أن تتحرر من الأشياء التي كانت تتحكم فيك من الداخل دون أن تشعر.

